#السودان #الشرق الأوسط #تحقيقات #تقارير #دولي

بعد سد النهضة.. المشروع النووي الإثيوبي يفتح ملف المخاطر على السودان

تقرير خاص | One press


لم تعد مشروعات الطاقة الإثيوبية شأناً داخلياً يقتصر أثره على حدود البلاد، فالمياه التي تنحدر من الهضبة الإثيوبية تعبر إلى السودان، وأي تغيير في إدارتها ينعكس على حياة السكان والزراعة وتشغيل السدود ومحطات المياه في دول المصب. واليوم، مع اتجاه أديس أبابا نحو مشروع جديد لتوليد الطاقة النووية، يبرز سؤال يتجاوز حجم الكهرباء التي ستنتجها المحطة: كيف ستُدار المخاطر المحتملة لمشروع استراتيجي جديد في دولة تتشارك مواردها الطبيعية مع جيرانها؟



في 21 أكتوبر 2026، أعلن رئيس الوزراء الإثيوبي أبي أحمد إحراز تقدم في برنامج بلاده للطاقة النووية، مؤكداً أهمية التكنولوجيا النووية في التنمية والصناعة والقطاعات الأخرى. ويأتي الإعلان في وقت لا تزال فيه تداعيات تشغيل سد النهضة على إدارة مياه النيل الأزرق محل نقاش فني وسياسي، فيما شهد السودان فيضانات واسعة خلال السنوات الماضية، وأثار ارتفاع مناسيب المياه في 2025 خلافاً جديداً بشأن طريقة تشغيل السد وتصريف المياه.

 

الملف هنا ليس اتهاماً مسبقاً لإثيوبيا، ولا افتراضاً بأن المحطة النووية ستسبب كارثة، بل محاولة لفحص ما تعنيه هذه المشروعات لدول الجوار، وما الذي ينبغي أن يكون متاحاً من بيانات وضمانات وآليات إنذار مبكر حتى لا تتحول القرارات الفنية داخل دولة واحدة إلى أزمات عابرة للحدود.

 

مشروع نووي جديد.. ماذا أعلنت إثيوبيا؟

 

بحسب وكالة الأنباء الإثيوبية، زار أبي أحمد مفوضية الطاقة النووية الإثيوبية في 21 أكتوبر 2026، لمراجعة التقدم في تطوير البرنامج النووي. وأكد أن الطاقة والتكنولوجيا النووية يمكن أن تدعما التصنيع والبنية التحتية الرقمية، إلى جانب تطبيقات في الصحة والزراعة والصناعة وحماية البيئة، مع التشديد على أن تطوير البرنامج يجب أن يتم بصورة آمنة ومسؤولة ومستدامة.

 

وتتضمن المعلومات الواردة في التصريحات المتداولة خطة لإنشاء محطة بقدرة إجمالية تبلغ 2400 ميغاوات، عبر وحدتين بقدرة 1200 ميغاوات لكل منهما، مع تقدير فترة تنفيذ المشروع بنحو عشر سنوات، وتقليص المواقع المرشحة من 30 إلى ثلاثة.

 

غير أن الإعلان عن برنامج نووي لا يعني أن المحطة دخلت مرحلة الإنشاء أو أن موقعها النهائي حُسم. كما لم يتسنَّ التحقق بصورة مستقلة من تفاصيل الوحدتين والقدرة الإنتاجية والجدول الزمني المذكور من البيان الرسمي المتاح عن زيارة أبي أحمد.

 

وهنا تبدأ الأسئلة التي تهم دول الجوار: أين ستُقام المحطة؟ ما مصدر مياه التبريد؟ ما طبيعة المخاطر البيئية المحتملة؟ وهل ستُتاح للسودان والدول المجاورة معلومات كافية عن تقييمات الأثر البيئي وخطط الطوارئ؟

 

 

سد النهضة.. حين تتجاوز القرارات الفنية الحدود

 

يقدم سد النهضة مثالاً عملياً على أهمية إدارة المشروعات الكبرى التي تقع في أعالي الأنهار المشتركة. فالسد الذي أنشأته إثيوبيا على النيل الأزرق ليس مجرد مشروع لتوليد الكهرباء، بل منشأة تؤثر طريقة ملء خزانها وتشغيله في توقيتات تدفق المياه وكمياتها إلى السودان.

 

وتشير دراسة علمية منشورة عام 2023 في مجلة Hydrology and Earth System Sciences إلى أن ملء خزان السد خلال أشهر محددة أدى إلى انخفاض تدفقات المياه المتجهة إلى السودان في بعض الفترات، وأن تغيرات التصريف اللاحقة أثرت في إدارة السدود السودانية واحتياجات الري. كما توضح الدراسة أن الأمطار الغزيرة كانت عاملاً مهماً في ارتفاع التدفقات خلال مواسم الفيضان.

 

وتكشف هذه النتائج أن القضية لا تتعلق فقط بوجود السد أو غيابه، بل أيضاً بتوقيت التخزين والتصريف، ومدى تبادل البيانات الهيدرولوجية، وقدرة دول المصب على الاستعداد للتغيرات المفاجئة.

ففي يوليو 2020، تزامن بدء ملء خزان سد النهضة مع موسم أمطار استثنائي شهدته المنطقة، بينما سجل السودان في ذلك العام مستويات قياسية للفيضانات. لكن هذا التزامن لا يثبت أن سد النهضة تسبب وحده في فيضانات السودان؛ إذ ربطت تقارير الأمم المتحدة والفاو الكارثة بالأمطار الغزيرة وفيضان النيل وروافده، كما أن الدراسات الهيدرولوجية تميز بين أثر الملء في تدفقات المياه وأثر الأمطار في حجم الفيضان.

 

وهذا التمييز أساسي في أي تحقيق مهني: لا يجوز تحويل كارثة فيضان موثقة إلى دليل على مسؤولية منشأة بعينها من دون أدلة فنية تثبت العلاقة السببية.

 

 

فيضانات 2020.. أرقام تكشف حجم الخسائر

 

في 20 سبتمبر 2020، أعلنت منظمة الأمم المتحدة للطفولة «يونيسف» أن الفيضانات أثرت في نحو 730 ألف شخص في الولايات السودانية الثماني عشرة، بينهم 438 ألف طفل، وأن أكثر من 146 ألف منزل تعرض للدمار أو الضرر. كما دمرت المياه 179 مرفقاً عاماً، بينها مدارس ومراكز صحية، ونفقت أكثر من 5500 رأس من الماشية.

 

أما التقييم السريع لأثر فيضانات 2020، الذي أعدته منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة بالتعاون مع الحكومة السودانية، فقد أظهر أن نحو 2.2 مليون هكتار من الأراضي المزروعة بالمحاصيل المطرية غمرتها المياه، مع خسائر إنتاجية قُدرت بأكثر من مليون طن. كما تضررت نحو 103 آلاف هكتار من الأراضي الزراعية المروية، وتأثرت قرابة 598 ألف أسرة من المزارعين والرعاة.

وتوضح هذه الأرقام أن أثر الفيضانات لم يتوقف عند المنازل التي غمرتها المياه؛ بل امتد إلى الأمن الغذائي وسبل العيش والقدرة على استعادة النشاط الزراعي. ومع ذلك، فإن هذه الخسائر تخص كارثة الفيضانات التي وقعت عام 2020، ولا يصح نسبتها جميعاً إلى سد النهضة.

 

 

سبتمبر وأكتوبر 2025.. اتهامات متبادلة بشأن تصريف المياه

 

عاد ملف سد النهضة إلى الواجهة في خريف 2025، بعد ارتفاع مناسيب النيل وحدوث فيضانات في السودان ومصر، في أعقاب افتتاح السد رسمياً في 9 سبتمبر من ذلك العام.

وفي تقرير نشرته وكالة رويترز في 6 أكتوبر 2025، أفادت بأن المنظمة الدولية للهجرة أشارت إلى نزوح نحو 1200 أسرة في بحري بولاية الخرطوم جراء الفيضانات. كما نقلت عن وزارة الموارد المائية والري المصرية اتهامها إثيوبيا بإجراء تصريفات مائية مفاجئة وغير منسقة، قالت إنها أسهمت في تفاقم الفيضان.

وبحسب التقرير نفسه، قالت الوزارة المصرية إن التصريف بلغ نحو 485 مليون متر مكعب في 10 سبتمبر، ثم ارتفع إلى نحو 780 مليون متر مكعب في 27 سبتمبر 2025، قبل أن ينخفض لاحقاً. وذكرت أن هذه التدفقات شكلت ضغطاً على سد الروصيرص السوداني، وأسهمت في انتقال كميات إضافية من المياه إلى دول المصب.

لكن إثيوبيا رفضت الاتهامات، وقالت وزارة المياه والطاقة الإثيوبية إن التصريف المنظم من السد أسهم في الحد من آثار الفيضانات، وإن الأمطار الغزيرة كان يمكن أن تتسبب في أضرار أكبر لولا السد.

 

وبذلك، فإن ما تثبته التقارير هو وقوع فيضانات ونزوح أسر سودانية ووجود خلاف رسمي بشأن أثر تشغيل السد، لا حسم المسؤولية الفنية النهائية عن الفيضان. ويتطلب الفصل في هذه المسألة بيانات يومية مستقلة عن الأمطار والتدفقات والتخزين والتصريف، إلى جانب تقييم هيدرولوجي يحدد مساهمة كل عامل في ارتفاع مناسيب المياه.

 

من المياه إلى الطاقة النووية.. ما الذي يتغير بالنسبة للسودان؟

 

إن إنشاء محطة للطاقة النووية يختلف فنياً عن بناء سد على نهر مشترك، ولا يعني تلقائياً أن مخاطره ستنتقل إلى السودان. لكن طبيعة المشروع الجديد تفرض مجموعة أخرى من الأسئلة المتعلقة بالسلامة النووية والبيئة والمياه والتنسيق الإقليمي.

 

أولاً: موقع المحطة ومصادر المياه. يتوقف تقييم الأثر على موقع المنشأة وطبيعة نظام التبريد ومصدر المياه المستخدم. فإذا كان المشروع قريباً من مجرى مائي مشترك، تصبح دراسة تأثير السحب والتصريف الحراري في النظام المائي من المسائل التي ينبغي فحصها. أما إذا كان بعيداً عن الأنهار المشتركة، فتختلف طبيعة التأثير المحتمل.

 

ثانياً: السلامة والاستجابة للطوارئ. تتطلب المنشآت النووية تقييماً للمخاطر الطبيعية والتشغيلية، وخططاً للاستجابة للحوادث، ورصداً بيئياً مستمراً. ومن مصلحة السودان معرفة آليات الإخطار والتنسيق التي يمكن تفعيلها في حالة وقوع حادث ذي آثار عابرة للحدود، وفق الأطر الدولية ذات الصلة.

 

ثالثاً: تبادل المعلومات. أظهرت الخلافات بشأن سد النهضة أن نقص المعلومات أو اختلاف تفسير البيانات يمكن أن يتحول إلى أزمة سياسية بين الدول. ومن ثم، فإن نشر المعلومات الفنية الأساسية بشأن موقع المحطة وتقييم أثرها البيئي وخطط الطوارئ من شأنه أن يساعد على بناء الثقة وتجنب تضارب التقديرات.

 

رابعاً: المخاطر البيئية المحتملة. لا يمكن الجزم بوجود خطر إشعاعي على السودان لمجرد إعلان مشروع نووي في إثيوبيا. فاحتمال انتقال ملوثات إشعاعية، في حال وقوع حادث، يعتمد على نوع الحادث وموقعه وحجمه والظروف الجوية والمائية، وعلى إجراءات الاحتواء والاستجابة. لذلك ينبغي أن تستند أي تقديرات للمخاطر إلى دراسات فنية، لا إلى افتراضات مسبقة.

 

ما الذي ينبغي أن يعرفه السودان قبل تشغيل المحطة؟

 

إذا انتقلت إثيوبيا من مرحلة التخطيط إلى التنفيذ، فإن المصلحة السودانية تقتضي متابعة عدد من الملفات الفنية، أبرزها:

 

* الموقع النهائي للمحطة، وطبيعة مصادر المياه والطاقة المستخدمة فيها.

 

* نتائج تقييم الأثر البيئي ودراسات المخاطر الطبيعية والتشغيلية.

 

* الجهة الرقابية المسؤولة عن السلامة النووية ومدى استقلالها وقدرتها الفنية.

 

* ترتيبات الإخطار المبكر والتعاون مع الدول المجاورة في حالات الطوارئ.

 

* آليات الرصد البيئي وتبادل البيانات ذات الصلة بالمخاطر العابرة للحدود.

 

ولا تعني هذه المطالب الاعتراض على حق إثيوبيا في تطوير مصادر الطاقة، بل التأكيد على أن المشروعات ذات الأثر المحتمل خارج الحدود تحتاج إلى شفافية وتنسيق يتناسبان مع حجمها وطبيعتها.

. الدرس الذي يتركه سد النهضة

 

تظهر تجربة سد النهضة أن مشروعات الطاقة الكبرى لا تُقاس فقط بحجم الكهرباء التي تنتجها أو الاستثمارات التي تجذبها، بل أيضاً بكيفية إدارتها، وشفافية بياناتها، ومدى مراعاتها لحقوق ومصالح الدول التي تتشارك معها الموارد الطبيعية.

 

وفي حالة المشروع النووي الإثيوبي، لا تتوافر حتى الآن معلومات كافية تسمح بالقول إنه سيشكل خطراً مباشراً على السودان. لكن غياب الأدلة على وجود خطر محدد لا يلغي الحاجة إلى تقييم المخاطر مسبقاً، وإلى توفير معلومات فنية موثوقة عن المشروع قبل انتقاله إلى مراحل التنفيذ والتشغيل.

 

ويبقى السؤال الذي ينبغي أن يحضر في النقاش الإقليمي: هل سترافق التوسع في مشروعات الطاقة الإثيوبية آليات واضحة للتنسيق وتبادل المعلومات مع دول الجوار، أم ستظل هذه الدول تتلقى آثار القرارات الفنية بعد وقوعها؟

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: Content is protected !!