#السودان

حين سقط الغطاء الطوعي… اكنشفت هيئة علماء السودان؟

بورتسودان – خاص

▫️ في الدول المستقرة تُراجع أوضاع المؤسسات وفق القوانين، أما في الدول المضطربة فإن أي قرار إداري يتحول فوراً إلى معركة سياسية مفتوحة، خصوصاً إذا تعلق الأمر بكيانات ظلت لعقود تتحرك داخل مناطق رمادية بين الدعوي والسياسي والتنظيمي والمالي. ولذلك لم يكن قرار مفوضية العون الإنساني بعدم إعادة تسجيل هيئة علماء السودان كمنظمة طوعية مجرد إجراء بيروقراطي عابر، بل كشف عن سؤال أعمق ظل مؤجلاً لسنوات: هل كانت الهيئة بالفعل منظمة طوعية بالمعنى القانوني، أم أنها كانت تمارس نشاطاً يتجاوز هذا الوصف منذ البداية؟

▫️ الوثيقة الصادرة عن المسجل العام للمنظمات لا تبدو – وفق القراءة القانونية الأولية – منشغلة بالصراع السياسي بقدر انشغالها بتوصيف قانوني مباشر. فالمفوضية استندت بوضوح إلى قانون العمل الطوعي والإنساني لسنة 2006، واعتبرت أن طبيعة الهيئة وأهدافها ونظامها الأساسي لا تتوافق مع تعريف المنظمة الطوعية كما ورد بالقانون. كما أشارت الوثيقة إلى أن نشاط الهيئة ذو طبيعة دعوية ودينية وفكرية، وهو اختصاص أقرب إلى القوانين المنظمة للهيئات والكيانات الاتحادية أو الدعوية، وليس إلى قانون المنظمات الإنسانية والخيرية.

▫️ وبحسب إفادة مصدر قانوني مطلع تحدث لـ One Press، فإن القرار لا يستند – من الناحية الرسمية – إلى أي تصنيف سياسي أو أمني أو ارتباطات خارجية، وإنما إلى مسألة قانونية تتعلق بطبيعة التسجيل نفسها. وأوضح المصدر أن الهيئة كان يفترض منذ البداية أن تُقنن وضعها وفق قانون الهيئات الاتحادية أو الأجسام المهنية والدعوية ذات الطبيعة الفكرية، لا تحت مظلة العمل الطوعي والإنساني.

▫️ لكن رغم هذا التفسير القانوني، فإن القرار لن يُقرأ سياسياً بمعزل عن المناخ الإقليمي والدولي الحالي. فالسودان يعيش مرحلة شديدة الحساسية تتداخل فيها ملفات الحرب، والضغوط الدولية، والعقوبات، ومسألة إعادة تعريف علاقة الدولة بالحركة الإسلامية وواجهاتها المختلفة. ولذلك يرى كثيرون أن أي إجراء يطال مؤسسة ذات خلفية إسلامية سيُفسر تلقائياً باعتباره جزءاً من إعادة هندسة المشهد السياسي والإداري في البلاد، حتى لو صدر بغطاء قانوني صرف.

▫️ اللافت في القرار أيضاً أنه أعاد فتح النقاش حول طبيعة “المنظمات الطوعية” في السودان خلال العقود الماضية. فالكثير من الكيانات لم تكن تمارس العمل الإنساني التقليدي بمفهومه المعروف عالمياً، بل كانت تتحرك في مساحات مختلطة تجمع بين الدعوة، والسياسة، والتعبئة الفكرية، والعمل المجتمعي، والتمويل الخارجي. ومع مرور الزمن أصبحت بعض هذه الكيانات تتمتع بمزايا المنظمات الإنسانية، بينما تمارس عملياً أدواراً تتجاوز ذلك بكثير.

▫️ هنا تحديداً تكمن حساسية القرار. لأنه لا يتعلق فقط بهيئة علماء السودان، بل يفتح الباب أمام مراجعة أوسع لعشرات الكيانات والجمعيات التي ظلت تعمل لسنوات تحت توصيفات قانونية فضفاضة. فالدولة التي تعيد تعريف مؤسساتها بعد الحرب ستجد نفسها مضطرة عاجلاً أو آجلاً لإعادة فرز المساحات بين الدعوي، والسياسي، والإنساني، والنقابي، والفكري.

▫️ وفي تقديرنا، فإن أخطر ما في القضية ليس قرار الرفض نفسه، بل ما يكشفه عن حالة السيولة القانونية والإدارية التي ظلت تحكم ملف المنظمات في السودان لسنوات طويلة. إذ يبدو أن البلاد لم تكن تدير قطاع العمل الطوعي بمعايير ثابتة بقدر ما كانت تديره وفق التوازنات السياسية والنفوذ القائم آنذاك. وعندما تتغير موازين السلطة، تبدأ الأسئلة القديمة بالعودة من جديد: من يحق له العمل تحت صفة “منظمة إنسانية”؟ ومن يملك حق جمع الأموال والتبرعات باسم المجتمع أو الدين أو العمل الخيري؟ وأين ينتهي العمل الدعوي… ويبدأ العمل السياسي؟

*عوض الله نواي – مدير وكالة One Press للتحقيقات الصحفية والإعلام*

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: Content is protected !!