#تحقيقات

واشنطن تعيد رسم المشهد السوداني من داخل الكونغرس

▫️مشروع قانون السودان الأميركي

بورتسودان – خاص

▫️صوتت لجنة الشؤون الخارجية في مجلس النواب الأميركي بأغلبية كاسحة على مشروع قانون السودان، بموافقة 44 نائبًا واعتراض نائبين فقط. هذا التصويت كشف أن السودان انتقل رسميًا إلى دائرة الملفات الاستراتيجية داخل واشنطن، وأن الحرب السودانية أصبحت جزءًا من حسابات الأمن القومي الأميركي، لا مجرد أزمة إنسانية بعيدة.

داخل الكونغرس تُصنع القوانين وفق حسابات دقيقة ترتبط بالمصالح والنفوذ والأمن والطاقة والتحالفات الدولية. ولهذا جاء مشروع القانون ضمن رؤية أوسع لإعادة ترتيب الملف السوداني سياسيًا وأمنيًا واقتصاديًا في مرحلة ما بعد الحرب.

السؤال الذي يفرض نفسه الآن:

أي سودان تعمل واشنطن على تشكيله؟ ومن سيملك القرار في المرحلة القادمة؟

 

▫️ *المشهد الأول*

منذ وصول حكومة الإنقاذ إلى السلطة عام 1989، لم يغادر السودان غرف العمليات الدولية. بدأ الحصار مبكرًا بإدراج السودان في قائمة الإرهاب عام 1993، ثم دخلت البلاد في سلسلة طويلة من المشروعات الدولية التي حملت عناوين مختلفة، لكنها التقت جميعها عند نقطة واحدة: إعادة هندسة الدولة السودانية.

جاءت العقوبات الاقتصادية تحت شعار مكافحة الإرهاب، فجففت الاقتصاد وأضعفت المؤسسات. جاءت نيفاشا تحت عنوان السلام، فانتهت بانفصال الجنوب. جاءت البعثات الدولية تحت شعار حماية المدنيين، فتحولت إلى وجود سياسي وأمني طويل داخل البلاد. ثم ظهرت مشاريع التحول الديمقراطي، والوثيقة الدستورية، والاتفاق الإطاري، والرباعية، ومنابر التفاوض، بينما كانت الدولة تتراجع خطوة بعد أخرى أمام تمدد التدخل الخارجي.

في كل مرة كان السودان يدخل التفاوض من موقع الدفاع، وتدخل القوى الدولية من موقع من يملك الرؤية والخطة والأدوات. ومع مرور الوقت تحولت البلاد إلى مساحة مفتوحة للتجارب السياسية والأمنية والاقتصادية، بينما ظل الداخل السوداني غارقًا في الصراع والانقسام وغياب المشروع الوطني الجامع.

 

▫️ *المشهد الثاني*

مشروع القانون الأميركي الجديد يتحرك داخل هذا السياق الكامل. النصوص المتداولة داخل الكونغرس تكشف عن مشروع ضغط طويل المدى يتجاوز الحرب الحالية. المشروع يتحدث عن حماية المدنيين، ومحاسبة المتورطين في الانتهاكات، وفرض عقوبات، ومراقبة تدفقات السلاح، وتتبع شبكات التمويل، وإنشاء استراتيجية أميركية رسمية تجاه السودان، إضافة إلى تثبيت وجود مبعوث أميركي خاص يتابع الملف لسنوات.

هذه البنود تكشف أن واشنطن تنظر إلى السودان باعتباره ملفًا طويل الأمد مرتبطًا بالأمن الإقليمي والممرات البحرية والصراع الدولي في أفريقيا. فالولايات المتحدة لا تتحرك فقط لوقف إطلاق النار، بل لبناء أدوات ضغط دائمة داخل الملف السوداني تتيح لها التأثير في موازين القوى السياسية والاقتصادية والعسكرية خلال المرحلة المقبلة.

أخطر ما في المشروع الأميركي أنه لا يستهدف الأفراد فقط، بل يستهدف الشبكات الكاملة المرتبطة بالحرب والاقتصاد والسلاح. العقوبات المقترحة تطال قيادات عسكرية، وشركات، وبنوك، وشبكات ذهب، ووسطاء تجارة، وموردي سلاح. وواشنطن تدرك أن السيطرة على الاقتصاد أخطر من السيطرة على المدن نفسها، ولذلك تتحول العقوبات في كثير من الأحيان إلى أدوات لإعادة تشكيل موازين القوى داخل الدولة عبر الضغط على البنوك، والتحويلات، والاستثمار، وحركة التجارة الخارجية.

وفي حال توسعت هذه العقوبات، فإن آثارها لن تبقى محصورة داخل المعسكرات العسكرية، بل ستصل إلى الأسواق، وسعر العملة، والقطاع المصرفي، وحياة المواطنين اليومية. وهنا تبدأ الحرب في التحول من معركة ميدانية إلى معركة اقتصادية مفتوحة طويلة المدى.

▫️ *المشهد الثالث*

السودان اليوم أصبح جزءًا من صراع إقليمي ودولي واسع. البحر الأحمر تحول إلى واحد من أكثر الممرات حساسية في العالم، والقرن الأفريقي أصبح ساحة تنافس بين الولايات المتحدة وروسيا والصين وقوى إقليمية أخرى تسعى لترسيخ نفوذها العسكري والاقتصادي.

وفي قلب هذا المشهد يقف السودان بموارده وحدوده وموقعه الجغرافي، بينما تتصارع حوله المشاريع الدولية والتحالفات المتغيرة. انهيار السودان الكامل يعني تهديدًا مباشرًا للملاحة الدولية، ولأمن الإقليم، ولمسارات الطاقة والهجرة والتجارة.

ولهذا لم يعد العالم يتعامل مع الحرب السودانية باعتبارها شأنًا داخليًا، بل باعتبارها ملفًا جيوسياسيًا مفتوحًا يمس توازنات المنطقة كلها.

 

▫️ *المشهد الأخير*

كما يقول أهل السودان: “البيت البختلف أهلو… بدخلو الغريب.”

السودان يقف اليوم أمام أخطر لحظة منذ عقود. العالم يتحرك بسرعة لإعادة ترتيب المنطقة، والدول الكبرى تملأ دائمًا الفراغات التي تعجز الدول عن حمايتها بنفسها. والمشكلة الحقيقية لم تعد في الخارج وحده، بل في الداخل السوداني الذي ظل لسنوات غارقًا في الانقسام والصراع وضعف المؤسسات وغياب الرؤية الوطنية.

الدول لا تُحمى بالشعارات، بل بالمؤسسات القوية، والسياسة الخارجية الذكية، والقدرة على إدارة الأزمات من الداخل قبل أن تُدار من الخارج. والسودان يحتاج الآن إلى عقل دولة، لا عقل معركة مؤقتة، وإلى مشروع وطني يمنع الآخرين من كتابة مستقبل البلاد نيابة عنه.

فالتاريخ لا يرحم الدول التي تفقد السيطرة على قرارها، ولا ينتظر طويلًا أمام العواصم المنهكة بالصراع والعجز والانقسام.

 

عوض الله نواي – مدير وكالة One Press للتحقيقات الصحفية والإعلام

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: Content is protected !!