#السودان #الشرق الأوسط

 الحوار مع الإمارات… هل هو منقصة أم مفسدة؟

بورتسودان _ one press 

▪️ هناك شعوب تُبنى علاقاتها بالذاكرة قبل السياسة، وبالناس قبل الحكومات، وبالعرق الذي اختلط في الموانئ والمطارات والأسواق قبل أن تُولد الأزمات وتتشكل المحاور. والسودانيون كانوا جزءًا من الحكاية الإماراتية منذ البدايات الأولى للدولة الحديثة؛ يوم كانت الإمارات تخطو خطواتها الأولى في الإدارة والتعليم والهندسة والخدمات، كان السوداني حاضرًا هناك: معلماً، وقاضيًا، وطبيبًا، وضابطًا، ومهندسًا، وإداريًا، وصاحب خبرة.

 

▪️ وفي عهد الرئيس جعفر نميري، لم تكن العلاقة بين الخرطوم وأبوظبي علاقة موسمية عابرة، بل كانت واحدة من أكثر العلاقات العربية دفئًا واستقرارًا، قائمة على الاحترام والتقدير المتبادل، وعلى إرث شخصي وسياسي بين القيادة السودانية والشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، الرجل الذي احتفظ بمودة خاصة تجاه السودان وأهله.

 

▪️ ولهذا يصبح السؤال اليوم أكثر تعقيدًا من مجرد خلاف سياسي عابر:

هل الحوار مع الإمارات منقصة؟ أم أن القطيعة المطلقة هي المفسدة الكبرى؟

 

▪️ *المشهد الأول: كيف تُبنى المصالح بين الدول؟*

 

▪️ الدول لا تُدار بالعواطف وحدها، ولا تُبنى علاقاتها على الحب والكراهية كما يتخيل العامة في لحظات الغضب والانفعال. السياسة الدولية عالم شديد البرود؛ عالم تتحرك فيه المصالح قبل الشعارات، والوقائع قبل الأمنيات.

 

▪️ فهل تتحالف الدول لأنها تحب بعضها؟

وهل تتخاصم لأنها تكره بعضها؟

 

▪️ لو كانت العلاقات الدولية تُبنى على المحبة فقط لما تحاورت الولايات المتحدة مع خصومها، ولما جلست دول خاضت الحروب لعقود على طاولة واحدة تبحث عن اتفاقات الغاز والتجارة والأمن.

 

▪️ الدول تتحاور لأنها تريد حماية مصالحها، وتمنع الانهيار، وتغلق أبواب الفوضى، أو على الأقل تُخفف خسائرها.

 

▪️ لكن السؤال الأخطر هنا:

هل يعني الحوار التنازل؟

وهل يعني الجلوس مع الخصم التسليم له بالرواية والانتصار؟

 

▪️ الإجابة لا.

 

▪️ فالحوار ليس دائمًا علامة ضعف، كما أن الصمت ليس دائمًا بطولة. أحيانًا يكون الحوار جزءًا من إدارة الصراع نفسه، لا نهايته. وأحيانًا تُستخدم الطاولة لتحقيق ما تعجز عنه البنادق، أو لتثبيت نتائج الميدان سياسيًا ودبلوماسيًا.

 

▪️ *المشهد الثاني: لماذا تتحاور الحكومة السودانية مع الإمارات؟*

 

▪️ منذ أن خُلق الإنسان والصراع جزء من الحياة. وحتى في أعظم مشاهد العصيان والتكبر، ظل الحوار قائمًا بوصفه مبدأً كونيًا لفهم المواقف وكشف الحقائق وإقامة الحجة.

 

▪️ والقرآن نفسه يقدم واحدًا من أعظم مشاهد الحوار حين خاطب المولى سبحانه وتعالى إبليس بعد أن تجبر واستكبر ورفض السجود لآدم. لم يكن الحوار تكريمًا لإبليس، بل إقامة للحجة وكشفًا للباطل أمام الخلق والتاريخ.

 

▪️ وهنا يجب التفريق بين أمرين:

بين الحوار بوصفه أداة سياسية لإدارة المصالح، وبين الاستسلام بوصفه تنازلًا عن الحقوق والدماء والسيادة.

 

▪️ الحكومة السودانية اليوم لا تتحاور مع الإمارات حبًا في الجدل، ولا هروبًا من المعركة، بل لأنها تدير ملفًا معقدًا تتداخل فيه الحرب والسياسة والاقتصاد والعلاقات الإقليمية والدولية.

 

▪️ فالسودان ليس جزيرة معزولة عن العالم، ولا يستطيع أن يُدار بمنطق الصراخ وحده، خصوصًا في ظل حرب استنزفت الدولة والمجتمع والاقتصاد.

 

▪️*المشهد الثالث:*

الحوار لابد ان يستند الي مرجعيات وثوابث اهمها عدم التدخل فيما يخص الدول من أمور تخص شعوبها من سياسات وقوانين تحكم مصالح شعوبها في كيفية تسيير امورهم الداخلية وتداول السلطة وكيفية وضع القواتين والتشريعات ومرجعياتها ، ولا ينبغي لأي طرف ان يدخل في تفاصيل الاخرين من توجهات سياسية او ايدلوجية ، كما أن محاربة الافكار المتطرفة ذات الأثر الممتد ينبغي أن تكون محل نقاش وليس بمحوها من عقول الناس بقتلهم وتشريدهم من بيوتهم حتي وان كفروا بالله .

التطرف يحارب بالحوار والمنطق ، لا يحارب بانشاء نزاع مقابل له.

 

▪️ *المشهد الرابع: أين تكمن المشكلة الحقيقية؟*

 

▪️ هل المشكلة بين السودان والإمارات هي نزاع حدودي؟

لا.

 

▪️ هل هناك أرض متنازع عليها بين البلدين؟

لا.

 

▪️ هل توجد عداوة تاريخية بين الشعب السوداني والشعب الإماراتي؟

قطعًا لا.

 

▪️ إذن أين تكمن الأزمة؟

 

▪️ الأزمة الحقيقية هي أزمة رؤى ومصالح وتقديرات سياسية، تفاقمت داخل فراغ سوداني كبير، وداخل حالة انقسام سياسي سوداني حاد جعل أبواب البلاد مفتوحة لكل التدخلات الخارجية.

 

▪️ هل توجد مشكلة داخلية سودانية؟

نعم.

 

▪️ هل يوجد انقسام سياسي وصراع على السلطة والرواية والمشروع الوطني؟

نعم.

 

▪️ إذن لا يمكن عزل التدخلات الخارجية عن الانقسام الداخلي. فحين تضعف الجبهة الوطنية، تصبح البلاد ساحة مفتوحة للمحاور والأجهزة والمصالح الإقليمية والدولية.

 

▪️ وهنا يجب أن يتحلى السودانيون بشجاعة الاعتراف قبل توزيع الاتهامات. فجزء معتبر مما حدث هو نتيجة مباشرة لفشل النخب السودانية في بناء دولة مستقرة ومتوازنة وعادلة، لا مجرد نتيجة لمؤامرات الخارج وحدها.

 

▪️ الخاتمة

 

▪️ هناك إرث قديم بين الشيخ زايد والشعب السوداني قائم على المحبة والاحترام والتقدير المتبادل، وهذا الإرث لا يمكن محوه بسهولة مهما تعقدت الملفات السياسية.

 

▪️ لكن من جهة أخرى، فإن السنوات الأخيرة كشفت حجم الخراب الذي أحدثته جماعات الإسلام السياسي والحركات العقائدية التي أدارت السودان بعقلية الإقصاء والتمكين والصراع الدائم.

 

▪️ لقد أفسدت هذه الجماعات المجال السياسي، وضربت مؤسسات الدولة، ومزقت النسيج الوطني، وفتحت أبواب السودان لكل أشكال التدخل الخارجي، حتى أصبح الوطن نفسه ساحة صراع إقليمي ودولي.

 

▪️ كيف نصلح ما أفسدته هذه الجماعات؟

هذا هو السؤال الحقيقي الذي يجب أن يشغل السودانيين اليوم.

 

▪️ ما يحدث في السودان يؤكد أن الشعب السوداني والقوات المسلحة والقوات المساندة الأخرى استطاعوا كسر شوكة التمرد، وأن مشروع اختطاف الدولة بالقوة المسلحة يواجه رفضًا شعبيًا واسعًا.

 

▪️ وفي تقديرنا، فإن أي دور خارجي ساهم في تغذية الحرب أو دعم المليشيات المسلحة سيظل محل إدانة أخلاقية وسياسية وتاريخية، ولن تمحو الذاكرة السودانية بسهولة صور الدم والخراب والنزوح.

 

▪️ ولهذا، فإن أي حوار مع الإمارات أو مع القوى الدولية المؤثرة لا يمكن أن ينجح ما لم يقم على أسس واضحة:

احترام سيادة السودان، وقف دعم أي جماعات مسلحة، وعدم التدخل في القرار الوطني السوداني.

 

▪️ وفي الوقت نفسه، فإن مثل هذه الحوارات لا ينبغي أن تُدار في الغرف المغلقة بعيدًا عن الرأي العام السوداني، لأن الشعب الذي دفع الدم والثمن الأكبر يملك الحق الكامل في معرفة ما يُدار باسمه.

 

▪️ أما بناء علاقات جديدة مع أي محور إقليمي أو دولي، فلا يمكن أن يتم عبر الصفقات الغامضة أو التسويات الملتبسة، بل عبر دولة سودانية قوية، متماسكة، تعرف مصالحها، وتحمي قرارها الوطني من الاختطاف مرة أخرى.

عوض الله نواي – مدير وكالة One Press للتحقيقات الصحفية والإعلام

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: Content is protected !!