الأبيض _ One Press
تقف مدينة الأبيض، عاصمة ولاية شمال كردفان، اليوم على حافة مرحلة بالغة الخطورة في مسار الحرب السودانية المستعرة منذ أبريل 2023. فبعد أن صمدت المدينة أمام حصار مديد وضربات متكررة، باتت تواجه تصعيداً عسكرياً غير مسبوق تشنّه ميليشيا الدعم السريع، في حين يواصل الجيش السوداني إعلانه عن عمليات استهدفت حشودها وأضعفت قدراتها الهجومية. وعلى الضفة الأخرى، يعيش أكثر من نصف مليون مدني وضعاً إنسانياً يزداد انهياراً مع كل يوم يمر.
الأهمية الاستراتيجية: لماذا الأبيض؟
لا يمكن فهم ما يجري دون استيعاب حجم ما تمثله الأبيض في المعادلة السودانية. تضم المدينة مقر الفرقة الخامسة مشاة “الهجانة”، إحدى أبرز التشكيلات العسكرية التابعة للجيش السوداني، كما تشكّل مركزاً رئيسياً لخطوط النقل والتجارة التي تربط ولايات كردفان ودارفور ببقية أنحاء البلاد، وتحتضن أكبر سوق للصمغ العربي في العالم، ما يمنحها وزناً اقتصادياً استثنائياً.
يذهب فتحي أبو عمار، رئيس تحرير صحيفة الوسط، إلى أبعد من ذلك في تقدير أهمية المدينة، إذ يرى أن الأبيض تفوق الفاشر أهمية، كونها عاصمة كردفان الكبرى والحدّ الفاصل بين الشرق والغرب، وعاصمة الصمغ العربي بنسبة 80% من إنتاج العالم.
الموقف العملياتي: رواية الجيش السوداني
يُقدّم الجيش السوداني مدينة الأبيض بوصفها قلعة راسخة، ويصف عملياته الأخيرة على أنها نجحت في تعطيل التحشيد الميليشياوي وإنزال خسائر فادحة بقوات مليشيا الدعم السريع.
أعلن المتحدث الرسمي باسم القوات المسلحة أن قوات الجيش والقوات المساندة واصلت تنفيذ عمليات عسكرية نوعية ناجحة في مختلف محاور القتال، وأنها تمكنت خلال الفترة الممتدة من الأول من يونيو 2026 وحتى منتصفه من إلحاق خسائر كبيرة بقوات الدعم السريع ومقاتليها، وقد بلغ إجمالي ما تم تدميره 141 عربة قتالية، إلى جانب مقتل وإصابة أعداد من العناصر المسلحة والاستيلاء على كميات من الأسلحة والذخائر.
وفي تفاصيل عمليات محور كردفان، أكد الجيش أنه رصد حشداً لميليشيا الدعم السريع في ولاية غرب كردفان يضم عشر دبابات وعدداً من المركبات المدرعة، قبل أن يتمكن من تدمير الدبابات بالكامل وتدمير ست مركبات مدرعة وثماني عشرة عربة قتالية، مع تشتيت بقية تلك القوة بعد تكبيدها خسائر بشرية.
وعلى صعيد الحرب الجوية، شنّ الطيران الحربي للجيش السوداني في 22 يونيو 2026 غارات جوية على مواقع لميليشيا الدعم السريع في ولايتي شمال وغرب كردفان، ضمن عمليات متكررة لتعطيل التحشيدات المتجهة نحو مدينة الأبيض، وقد نفّذت مسيّرات الجيش ضربات مركزة على مناطق أم قرفة وجبرة الشيخ وحمرة الشيخ وسوردي والخوي وأم صميمة، أسفرت عن تدمير نحو 40 عربة قتالية بكامل عتادها.
وكانت القوات المسلحة قد أعلنت في مارس 2026 استعادة مدينة بارا من قبضة الميليشيا. وصف الجيش تلك الاستعادة بأنها “خطوة جديدة في طريق الحسم”، مؤكداً أن القوات المسلحة “ستمضي في عملياتها حتى تطهير كامل تراب الوطن”، فيما أشار مصدر ميداني إلى أن ميليشيا الدعم السريع كانت قد سيطرت على بارا في أكتوبر 2025 قبل أن تهجّر معظم سكانها قسراً.
غير أن مراقبين يُلفتون إلى أن الأرقام التي يُعلنها الجيش تستوجب التحقق المستقل، إذ لم تُصدر ميليشيا الدعم السريع أي تعليق على رواية الجيش، وهو نهج دأب عليه الطرفان منذ الأيام الأولى للحرب، حيث لا يُعلن أيٌّ منهما فقدان مناطق أو تكبّد خسائر.
الميليشيا تُشدّد الحصار: التحشيد والمسيّرات
في المقابل، تتوافر شواهد موثّقة تُفيد بأن مليشيا الدعم السريع تصعّد عملياتها حول الأبيض بصورة لم يشهدها الصراع من قبل، مستخدمةً سلاح الطائرات المسيّرة ذريعةً لاستنزاف البنية التحتية للمدينة واستنزاف صمود مواطنيها.
دفعت ميليشيا الدعم السريع بتعزيزات عسكرية غير مسبوقة نحو محيط مدينة الأبيض في منتصف يونيو 2026، وتمركزت في عدد من المناطق الاستراتيجية حول المدينة بينها النهود والخوي، إضافة إلى أم صميمة وأبو قعود في الاتجاه الغربي، بعد أن حرّكت أعداداً كبيرة من المقاتلين من ولايات دارفور وغرب كردفان مدعومةً بمدرعات وآليات قتالية ثقيلة.
وعلى صعيد الحرب بالمسيّرات، شنّت مسيّرات الميليشيا غارات جوية على مدينة الأبيض لخمسة أيام متواصلة في منتصف يونيو، مستهدفةً بشكل أساسي إمدادات الوقود.
وقد امتدت هذه الهجمات لتطال البنية الخدمية الحيوية كلها؛ إذ قصفت ميليشيا الدعم السريع محطة كهرباء الأبيض التحويلية مما تسبّب في إغراق المدينة في الظلام، وتواصل القصف بالمسيّرات بشكل يومي مما فاقم الأوضاع الأمنية بصورة متسارعة.
حذّر مفوض الأمم المتحدة السامي لحقوق الإنسان فولكر تورك من أن الاستخدام المتزايد للطائرات المسيّرة يخلّف آثاراً مدمرة إضافية على المدنيين والبنية التحتية المدنية في إقليم كردفان، مشيراً إلى أن الأسبوعين الماضيين شهدا عشرات الهجمات التي استهدفت بشكل خاص محطات الوقود والشاحنات وأسفرت عن سقوط ضحايا مدنيين.
وكانت المنظمة الدولية للهجرة قد نبّهت في وقت سابق إلى أن هذا التصعيد يتزامن مع سيطرة ميليشيا الدعم السريع على أجزاء واسعة من شمال كردفان، باستثناء محليات شيكان وأم روابة والرهد الواقعتين على الطريق القومي الرابط بين شمال كردفان والنيل الأبيض وصولاً إلى العاصمة الخرطوم.

الموقف الإنساني: مدينة تصارع انهيار الحياة اليومية
لعلّ الأمر الأكثر إيلاماً في مشهد الأبيض الراهن هو ما يعانيه المدنيون بعيداً عن بيانات العمليات وأرقام العربات المدمّرة.
تُعدّ الأبيض مركزاً تجارياً وإنسانياً حيوياً لإقليم كردفان، وبوابةً رئيسية للعمليات الإنسانية في المنطقة. وتضم المدينة، وفق بيانات دولية، أكثر من 563 ألف مدني، وتستضيف ما يزيد على 105 آلاف نازح فروا من أعمال العنف في مناطق أخرى من البلاد.
في أحياء المدينة المختلفة، سارعت أسر إلى تخزين ما تيسّر من المواد الغذائية والوقود ومياه الشرب، بينما عمد آخرون إلى سحب مدخراتهم النقدية خشية توقف الخدمات المصرفية أو تعطل وسائل الدفع الإلكتروني.
أزمة المياه تحتلّ قمة الكوارث الخدمية. تبلغ الفجوة في مياه الشرب 79%، إذ توقّفت نحو 250 محطة جراء انقطاع التيار الكهربائي، وتجري ترتيبات لتوفير طاقة بديلة وتوسيع مواعين التخزين وصيانة المحطات المتوقفة.
وفي سياق أزمة الخبز، توقفت كثير من المخابز لانعدام الوقود وارتفاع أسعار طحين القمح وتكاليف التشغيل الأخرى.
وتواصل ميليشيا الدعم السريع استهداف مراكز إيواء النازحين، في انتهاك صارخ للقانون الدولي الإنساني. تعرّض معسكر الإيواء الموحد في الأبيض، أحد أكبر مراكز إيواء النازحين، لهجوم بطائرات مسيّرة أسفر عن مقتل شخصين وإصابة سبعة عشر آخرين، بينهم تسعة أطفال، شكّل الأطفال أكثر من نصف عدد الجرحى.
وعلى صعيد الأمن الغذائي، حذّر رئيس بعثة المنظمة الدولية للهجرة في السودان محمد رفعت من أن الأبيض قد تدخل مرحلة المجاعة خلال أسابيع قليلة إذا استمر الحصار الحالي ولم تُفتح ممرات آمنة لإيصال المساعدات الغذائية. وأعلن برنامج الأغذية العالمي أنه يتخذ الترتيبات اللازمة لتخزين مساعدات منقذة للحياة استعداداً لموجة نزوح محتملة قد تبلغ 250 ألف شخص.
تحذيرات دولية وصمت دولي
لم يقتصر القلق على المنظمات الإنسانية، بل امتدّ ليشمل أعلى مستويات المنظومة الأممية والتحالفات الدولية.
حذّر الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش ومفوض الأمم المتحدة السامي لحقوق الإنسان فولكر تورك في 18 يونيو من خطر موجة جديدة من العنف تطال الأبيض، داعيَين إلى إجراءات فورية تحول دون وقوع هجوم وشيك أو مزيد من التصعيد العسكري، ومحذّرَين من تكرار ما وثّقاه في الفاشر ومخيم زمزم للنازحين.
حذّرت المسؤولة الأممية روزماري ديكارلو في إحاطة أمام مجلس الأمن من أن منطقة كردفان الأوسع لا تزال تمثّل “مركز ثقل النزاع”، مشيرةً إلى أن “نافذة تجنب تصعيد أوسع تضيق بسرعة”، ومحذّرةً من أن أي تصعيد في الأبيض سيضع مئات الآلاف من المدنيين أمام خطر فوري يتمثّل في موجة واسعة من العنف.
كما أصدر ائتلاف منع الفظائع وتحقيق العدالة في السودان الذي يضم المملكة المتحدة وألمانيا وأيرلندا وهولندا والنرويج وكندا وفرنسا، إلى جانب 21 دولة أخرى، بياناً يدعو فيه ميليشيا الدعم السريع إلى الوقف الفوري لهجومها على الأبيض، حيث أبدوا قلقهم من تعرّض 500 ألف مدني، بينهم 100 ألف نازح، لخطر فظائع واسعة النطاق، فضلاً عن استنكارهم لتقارير موثوقة عن أعمال عنف ذات استهداف عرقي، بما في ذلك العنف الجنسي.
الأبيض وفخ الفاشر
يبدو أن الأبيض تسير في الاتجاه الذي سلكته الفاشر من قبل، ومع ذلك ثمة فوارق ميدانية تستوجب التأمل. وصف المسؤول الأمريكي كاميرون هدسون المجتمعَ الدولي بـ”المشلول” لافتقاره لأدوات الإكراه الفعلي وعجزه عن إرسال قوات حفظ سلام، مؤكداً أن مراكز القوة انتقلت إلى دول المنطقة كالإمارات والسعودية وتركيا ومصر.
في المقابل، يرى بعض المحللين أن الأبيض ليست الفاشر. يشدد الكاتب والمحلل السياسي عبد الماجد عبد الحميد على أن الأبيض آمنة تماماً وأكثر أمناً من أم درمان، وأن المتمردين يبعدون أكثر من 200 كيلومتر عنها، مع الإشارة إلى أن خطوط إمدادهم قد ضُربت.

خلاصة الشهد
تقف الأبيض اليوم في مفترق مصائر. فهي بأهميتها الاستراتيجية والاقتصادية والإنسانية تُشكّل إن سقطت نقلة نوعية في الصراع السوداني، وإن صمدت ستُمثّل نقطة انعطاف تُضعف الزخم العسكري لميليشيا الدعم السريع في كردفان ودارفور. والحاسم في كل هذا أن أكثر من نصف مليون إنسان يعيشون الآن في انتظار ما ستُسفر عنه الأيام القادمة، وهم لا يملكون سوى جِرار الماء الفارغة، والخوف من سماع أزيز المسيّرة القادمة.



