#رأي

امتحانات الشهادة… حين يقرع الجرس على جرح الوطن

بورتسودان – 7 يونيو 2026

▪️ليست الحرب بندقية فقط، وليست المعارك خطوط تماس وحدها؛ فحين تنهار المدرسة، يتصدع المجتمع من داخله. التعليم في السودان لم يتأثر بالحرب كقطاع خدمي فحسب، بل أصيب في قلبه، لأن المدنيين الذين نزحوا وجاعوا وفقدوا البيوت والأمان، وجدوا أبناءهم أيضاً خارج الفصول، خارج الامتحانات، وخارج الحلم البسيط بمستقبل أقل قسوة.

 

▪️دارفور، هذا الإقليم الواسع بتاريخه الاجتماعي العميق وتنوعه القبلي والثقافي، لم يكن أرض حرب كما يراد له أن يُختصر، بل كان فضاءً للتعليم والجامعات والمدارس والمعاهد، من الفاشر إلى نيالا، ومن الجنينة إلى زالنجي والضعين. خرجت من مدارسه أجيال، وفتحت جامعاته أبوابها لأبناء الريف والمدن، وكانت قاعاته الدراسية شاهدة على أن المجتمع، رغم الفقر والتهميش والأزمات، ظل متمسكاً بالعلم كطريق للنجاة.

 

▪️ولم تكن دارفور بعيدة عن النشاط المدرسي والثقافي. فقد عرفت المدارس هناك الدورات المدرسية، والمهرجانات، والفعاليات الطلابية التي كانت تجمع بين التعليم والرياضة والفنون، وتمنح الطلاب مساحة للفرح والتنافس والتعارف. كانت تلك المناسبات، رغم بساطتها، تعبيراً عن مجتمع حيّ، وعن ولاية تريد أن تقول إن أبناءها ليسوا وقود حرب، بل طلاب علم وحملة مستقبل.

 

▪️لكن المشهد اليوم يبدو أكثر تعقيداً. فقد قُرعت الأجراس في عدد من المناطق الواقعة تحت سيطرة المليشيا إيذاناً بجلوس طلاب لامتحانات الشهادة، في مشهد حاول أن يلبس ثوب الدولة، بينما ظهر قائد المليشيا متحدثاً عن الحرب ذاتها التي اندلعت بفعل طمع السلطة وصراع النفوذ. وهنا لا يصبح الجرس مجرد إعلان بداية امتحان، بل يتحول إلى رمز سياسي خطير، لأنه يُقرع في أرض منقسمة، وتحت سلطة أمر واقع، وفي ظل غياب الدولة الواحدة التي تمنح الشهادة معناها القانوني والوطني.

 

▪️وقد استنكر عدد من الناشطين والمعلمين هذه الخطوة، ورأى بعضهم فيها نذيراً لانقسام السودان إلى دولتين، لا عبر إعلان سياسي مباشر فقط، بل عبر مؤسسات موازية: حكومة موازية، امتحانات موازية، إدارات موازية، وخطاب يحاول تحويل السيطرة العسكرية إلى شرعية مدنية وتعليمية. فالخطر لا يكمن في جلوس الطلاب للامتحان، بل في توظيف معاناة الطلاب لصناعة واقع سياسي جديد.

 

▪️والسؤال الأعمق: ماذا يعني أن تسقط مناطق وفرق عسكرية ومراكز إدارية بيد المليشيا؟ وماذا يعني خروج ولايات دارفور بكاملها تقريباً من سلطة الدولة المركزية، ثم إعلان رئاسة حكومة موازية من داخل الإقليم؟ هذه ليست وقائع عسكرية عابرة، بل مؤشرات على مشروع سياسي يريد أن يبدأ من دارفور، ثم يتمدد إلى كردفان، ثم يفاوض على السودان كله من موقع السلاح لا من موقع الإرادة الوطنية.

 

▪️ومع ذلك، لا يجوز أن يدفع الطلاب ثمن هذا الانقسام. فجلوس أي طالب سوداني للامتحان، سواء في مناطق الحكومة أو في مناطق سيطرة المليشيا، يجب أن يُقرأ أولاً من زاوية حقه في التعليم، لا من زاوية الجهة التي قرعت الجرس. هؤلاء الطلاب ضحايا حرب لا صناع قرار، وأسرهم تبحث عن نافذة نجاة وسط الحصار والخوف والنزوح. لذلك فإن إنقاذ مستقبلهم واجب وطني، لكن دون أن يتحول التعليم إلى ختم سياسي على سلطة الأمر الواقع.

 

▪️المليشيا، في تقديرنا، لا تنظر إلى دارفور وكردفان كحدود نهائية لمشروعها. واهم من يظن أنها ستكتفي بإقامة دولة في دارفور أو جزء من كردفان. من حمل السلاح للوصول إلى السلطة لن يتوقف عند حدود إقليم، ومن بنى مشروعه على التمدد بالقوة سيظل يرى كل تنازل بداية لتنازل أكبر. لذلك فإن التعامل مع هذه الخطوات باعتبارها “إجراءات محلية” فقط قراءة ناقصة وخطيرة.

 

▪️إن السودان اليوم أمام طريقين لا ثالث لهما: إما هزيمة هذا المشروع عسكرياً وسياسياً وتحرير كامل التراب الوطني واستعادة مؤسسات الدولة الواحدة، أو الوصول إلى تسوية وطنية حقيقية تقود إلى سلام عادل لا يكافئ السلاح ولا يقسم البلاد ولا يمنح أي طرف حق بناء دولة داخل الدولة. أما أن تُترك البلاد بين امتحانين، وحكومتين، وجيشين، وسلطتين، فذلك ليس سلاماً، بل تأجيل معلن للانفجار القادم.

 

▪️يبقى الطلاب هم الوجه الأكثر براءة في هذا المشهد القاسي. هم لا يسألون عن خرائط السيطرة ولا بيانات الحرب، بل عن مقعد وكتاب وامتحان وشهادة معترف بها. ومن لا يرى في عيون هؤلاء الطلاب مستقبل السودان، فلن يرى في السياسة إلا غنيمة، ولن يرى في الوطن إلا أرضاً قابلة للتقسيم.

بقلم: عوض الله نواي – مدير وكالة One Press للتحقيقات الصحفية والإعلام

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: Content is protected !!