#السودان #الشرق الأوسط #دولي #رأي

ليبيا بين إرث القذافي وأزمة الهجرة المعاصرة

بورتسودان – 5 يونيو 2026

 

▪️منذ سقوط نظام العقيد معمر القذافي في عام 2011، تعيش ليبيا واحدة من أكثر المراحل اضطراباً في تاريخها الحديث. الدولة التي كانت تمتلك موارد نفطية هائلة وموقعاً استراتيجياً على المتوسط تحولت إلى ساحة صراع سياسي وأمني مفتوح، انعكس على مؤسساتها وحدودها واقتصادها ومجتمعها.

 

▪️وخلال سنوات حكمه، سعى القذافي إلى تقديم نفسه بوصفه زعيماً للقارة الأفريقية، بل تجاوز ذلك أحياناً إلى طرح نفسه كصاحب مشروع وحدوي أفريقي. دعا إلى إنشاء “الولايات المتحدة الأفريقية”، ومول مشاريع واتحادات ومنظمات داخل القارة، وقدم دعماً مالياً وسياسياً لعدد من الحكومات والحركات الأفريقية. ورغم الجدل الواسع حول سياساته الداخلية والخارجية، فإن خطابه الأفريقي ظل أحد أبرز ملامح مشروعه السياسي في العقدين الأخيرين من حكمه.

 

▪️لكن ليبيا ما بعد القذافي واجهت واقعاً مختلفاً تماماً. فبدلاً من أن تصبح جسراً بين أفريقيا وأوروبا، تحولت إلى محطة عبور خطرة لعشرات الآلاف من المهاجرين واللاجئين الفارين من الحروب والفقر والنزاعات في أفريقيا والشرق الأوسط.

 

▪️وفي السنوات الأخيرة تصاعدت التقارير الحقوقية التي تتحدث عن انتهاكات خطيرة يتعرض لها مهاجرون داخل ليبيا، تشمل الاعتقال التعسفي والاستغلال والعنف والتمييز العنصري. كما شهدت وسائل الإعلام ومنصات التواصل الاجتماعي موجات متكررة من الخطاب العدائي تجاه المهاجرين، الأمر الذي أثار انتقادات واسعة من منظمات حقوق الإنسان والهيئات الدولية.

 

▪️وفي هذا السياق، نفت بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا صحة الادعاءات المتداولة بشأن وجود برامج لتوطين المهاجرين داخل الأراضي الليبية، مؤكدة أن هذه المزاعم لا تستند إلى وقائع. كما حذرت البعثة من انتشار المعلومات المضللة وخطاب الكراهية الذي يسهم في تأجيج التوترات والتحريض ضد العاملين في المنظمات الدولية.

 

▪️وتبقى قضية الهجرة في ليبيا واحدة من أكثر الملفات تعقيداً، لأنها تتداخل فيها اعتبارات السيادة والأمن والاقتصاد والبعد الإنساني. غير أن معالجة هذه الأزمة لا يمكن أن تقوم على التحريض أو التعميم أو استهداف الفئات الضعيفة، بل تحتاج إلى سياسات مسؤولة وتعاون إقليمي ودولي يحفظ كرامة الإنسان ويصون استقرار الدول في آن واحد.

 

▪️إن مأساة المهاجر الذي فر من الحرب أو الجوع لا ينبغي أن تتحول إلى أداة للمزايدات السياسية، كما أن مخاوف المجتمعات المحلية تحتاج إلى معالجات واقعية قائمة على الحقائق لا على الشائعات. وبين هذين الطرفين تقف ليبيا اليوم أمام اختبار صعب يتعلق بصورتها

ومستقبلها ودورها داخل القارة الأفريقية التي طالما ادعت قيادتها والتحدث باسمها.

 

بقلم: عوض الله نواي – مدير وكالة One Press للتحقيقات الصحفية والإعلام

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: Content is protected !!