#السودان #رأي

ما بين العام والخاص .. صحافة السلطة في ظل غياب السلطة

▪️في الدول التي تستقر فيها المؤسسات، تعمل الصحافة باعتبارها عين المجتمع على السلطة. أما في الدول المرتبكة، حيث تتداخل السياسة بالأمن، والمصالح بالنفوذ، تتحول الصحافة أحيانًا إلى خصم غير مرغوب فيه، لا لأنها تكذب، بل لأنها تسأل. والسؤال في البيئات المضطربة قد يصبح أخطر من الإجابة نفسها.

▪️منذ متى أصبحت المعلومة جريمة؟

وهل يعمل الصحفي لمصلحته الخاصة حين يفتح ملفًا عامًا يتعلق بالمال أو النفوذ أو الإدارة؟

وهل كل من يكتب تحقيقًا استقصائيًا يبحث عن بطولة شخصية، أم أن بعض الصحفيين يدفعون ثمنًا مهنيًا وأخلاقيًا لأنهم اختاروا الاقتراب من مناطق لا ترغب السلطة في الاقتراب منها؟

▪️في العالم الثالث تحديدًا، لا تنظر بعض الأنظمة إلى الصحافة باعتبارها شريكًا في بناء الوعي، بل باعتبارها مصدر إزعاج دائم. ولذلك تحاول مراقبتها، أو تحجيمها، أو دفعها نحو “الصحافة الآمنة” التي لا تقترب من الملفات الحساسة. فكل سلطة غير مستقرة تخشى الكلمة الحرة، لأن الكلمة تكشف ما تحاول البيروقراطية إخفاءه.

▪️لكن السؤال الأهم:

لماذا تحمي الديمقراطيات الصحافة بينما تخاف منها الأنظمة المغلقة؟

▪️لأن الصحافة في الدول الديمقراطية ليست مجرد مهنة، بل جزء من منظومة الرقابة العامة. هناك يُنظر للصحفي باعتباره مراقبًا مدنيًا يساعد على كشف الخلل والفساد وسوء الإدارة، لا خصمًا للدولة. ولذلك وضعت تلك الدول قوانين توازن بين حرية النشر وحقوق الأفراد، بحيث لا تتحول الصحافة إلى فوضى، ولا تتحول السلطة إلى مقصلة.

▪️وفي هذا السياق ظهر دور اتحادات الصحفيين والمنظمات المهنية الدولية، التي لا تدافع عن الأشخاص بقدر ما تدافع عن المبدأ نفسه: حق الوصول إلى المعلومات، وحق النشر المسؤول، ورفض استخدام العقوبات السالبة للحرية لإخافة الصحفيين.

▪️ومن أبرز الجهات التي لعبت دورًا عالميًا في هذا المجال الشبكة العالمية للصحافة الاستقصائية Global Investigative Journalism Network، وهي منظمة دولية تضم مئات المؤسسات الصحفية الاستقصائية حول العالم، وتهدف إلى دعم الصحفيين في مجالات التدريب والحماية القانونية وتبادل الخبرات والتحقيقات العابرة للحدود. نشأت هذه الشبكة لأن الصحفي الاستقصائي غالبًا ما يعمل منفردًا في مواجهة نفوذ واسع، بينما تحتاج الحقيقة أحيانًا إلى مظلة دولية تحميها من العزل والضغوط.

▪️هذه المنظمات لا تمنح الصحفي حصانة ضد الخطأ، لكنها تدافع عن حقه في البحث والتقصي، وتطالب بأن تكون قضايا النشر ضمن الإطار المدني والمهني، لا الجنائي، طالما لم يتحول النشر إلى تحريض مباشر أو تزوير متعمد أو انتهاك صريح للقانون.

▪️وفي السودان عاد الجدل مجددًا بعد الحكم الصادر بحق الصحفية رشان أوشي، والذي قضى بالسجن لمدة عام مع غرامة مالية قدرها عشرة ملايين جنيه، أو السجن ستة أشهر في حال عدم السداد، وذلك على خلفية مقال تناول اتهامات بالفساد ضد ضابط شرطة يعمل بالسفارة السودانية في مصر.

▪️القضية فتحت بابًا واسعًا للنقاش:

هل يؤدي صدور حكم جنائي ضد صحفي إلى إسقاط مكانته المهنية؟ أم أنه أحيانًا يرفع أسهمه وسط من يرون أن الصحافة الحقيقية تدفع أثمانًا باهظة؟

▪️الواقع أن الإجابة ليست عاطفية ولا مطلقة. فليس كل صحفي متهم بطلًا، وليس كل حكم قضائي استهدافًا للحريات. لكن المجتمعات المهنية تنظر دائمًا إلى طبيعة القضية نفسها:

هل كان النشر قائمًا على معلومات ووثائق؟

هل أُعطي الطرف الآخر حق الرد؟

هل استخدمت لغة اتهامية مباشرة أم لغة مهنية قائمة على التحفظ القانوني؟

وهل كان الهدف خدمة المصلحة العامة أم تصفية الحسابات؟

▪️الصحافة الاستقصائية الحقيقية لا تعني القذف، كما أن الدفاع عن السمعة لا يعني خنق الصحافة. وبين الحقين توجد منطقة دقيقة جدًا تحتاج إلى مهنية عالية وخبرة قانونية ووعي أخلاقي.

▪️ولهذا فإن الصحفي المحترف لا يكتب بلغة الإدانة القطعية، بل بلغة الاحتمال المهني والتحقق المستمر. يستخدم عبارات مثل:

“بحسب الوثائق المتاحة”،

“وفق المعطيات التي حصلت عليها الصحيفة”،

“في تقديرنا المهني”،

“تثير الوقائع تساؤلات”،

“بحسب مصادر مطلعة”،

وهي عبارات لا تُستخدم للهرب، بل لضبط التوازن بين حق النشر وحقوق الآخرين.

▪️كما أن التحقيق المهني يتطلب دائمًا:

التحقق من المستندات،

مراجعة التواريخ،

التفريق بين الرأي والمعلومة،

إتاحة حق الرد،

عدم بناء الاتهام على الظنون،

والابتعاد عن اللغة الانفعالية أو الشخصية.

▪️فالصحفي ليس قاضيًا يصدر الأحكام، ولا ناشطًا يكتب بالغضب، بل باحث عن الحقيقة داخل مساحة مليئة بالألغام القانونية والسياسية والأخلاقية.

▪️وفي النهاية، تبقى الصحافة واحدة من أكثر المهن تعقيدًا في المجتمعات المضطربة. فهي مطالبة بكشف الفساد دون السقوط في التشهير، والدفاع عن المجتمع دون التحول إلى أداة صراع، والاقتراب من السلطة دون الارتهان لها، والاقتراب من الناس دون المتاجرة بآلامهم.

▪️ولهذا ربما لا تكون المعركة الحقيقية بين الصحافة والسلطة فقط، بل بين الصحافة نفسها وبين إغراءات التسرع، والانتقام، والانفعال، والرغبة في صناعة الضجيج بدل صناعة الحقيقة.

عوض الله نواي – مدير وكالة One Press للتحقيقات الصحفية والإعلام

بورتسودان – مايو 2026

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: Content is protected !!