#رأي

الدار البيضاء.. خاتمة الرحلة بين البحر والحب والوطن

بقلم: عوض الله نواي

مدير وكالة One Press للتحقيقات الصحفية والإعلام

مدخل

هناك مدن نمر بها مرور العابرين، وهناك مدن تترك فينا شيئاً من روحها قبل أن نغادرها.

 

وإذا كانت طنجة قد فتحت لي أبواب الأسطورة والتاريخ، فإن الدار البيضاء كانت المحطة الأخيرة التي جمعت كل خيوط الرحلة في لوحة واحدة؛ البحر والتاريخ، الأسرة والوطن، المسجد والمدينة، والناس الذين يمنحون المكان معناه الحقيقي.

 

هنا، على ضفاف الأطلسي، أدركت أن المدن العظيمة لا تُقاس بعدد مبانيها ولا بحجم اقتصادها، بل بما تتركه في ذاكرة زائريها من أثر إنساني لا يُنسى.

 

الدار البيضاء ليست مجرد العاصمة الاقتصادية للمملكة المغربية، بل هي مدينة صنعت نفسها من البحر. مدينة نهضت من مينائها لتصبح قلب المغرب النابض بالحركة والتجارة والثقافة. وبين أحيائها الحديثة وأسواقها القديمة، يكتشف الزائر مدينة تجمع بين الأصالة والتجدد دون أن تفقد هويتها.

 

لكن أكثر ما يلفت الانتباه في الدار البيضاء ليس عمرانها، بل أهلها؛ ذلك المزيج الفريد من البساطة والكرم والانفتاح والاعتزاز بالوطن.

 

مسجد الحسن الثاني.. حيث يلتقي الحجر بالبحر والسماء

 

في هذه الرحلة كان لا بد أن أقف أمام أحد أعظم الشواهد المعمارية في العالم الإسلامي؛ مسجد الحسن الثاني.

 

في لحظة الغروب، بدا المسجد وكأنه يخرج من رحم المحيط الأطلسي، شامخاً بين زرقة السماء المتلبدة بالغيوم وأضواء المساء المنعكسة على جدرانه الرخامية البيضاء. ارتفعت المئذنة العملاقة كأنها إصبع يشير إلى السماء، بينما بدت الأقواس والزخارف المغربية وكأنها صفحات مفتوحة من تاريخ طويل من الإبداع الحضاري.

 

ليس المسجد مجرد معلم ديني، بل رسالة مغربية مكتوبة بالحجر. فمنذ افتتاحه عام 1993 ظل شاهداً على قدرة الإنسان على تحويل الإيمان والجمال إلى عمل معماري خالد.

 

وفي تلك اللحظات الهادئة، بينما كانت أمواج الأطلسي تضرب الصخور أسفل المسجد، شعرت أن المكان لا يُرى بالعين فقط، بل يُعاش بالقلب.

 

هناك أماكن نزورها فنلتقط لها الصور، وهناك أماكن تلتقط لنا صورة في ذاكرتها.

 

وكان مسجد الحسن الثاني واحداً من تلك الأماكن.

 

أسرة صنعت دفء الرحلة

 

لم تكن هذه الرحلة رحلة أماكن فحسب، بل كانت أيضاً رحلة إنسانية وعائلية بامتياز.

 

رافقتني زوجتي لمياء الحريري منذ انطلاق الرحلة من كيغالي وحتى الوصول إلى المغرب، وكانت شريكتي في اكتشاف المدن والناس والتفاصيل الصغيرة التي تصنع جمال السفر.

 

وفي المغرب وجدت نفسي وسط أسرة كريمة جسدت أجمل ما عرفت عن المجتمع المغربي من ترابط ومحبة ووفاء.

 

أتوجه بخالص الشكر والتقدير إلى الأستاذ عبد الرحيم الحريري، وإلى السيدة ربيعة شاكر، وإلى الدكتورة دنيا الحريري، وإلى هبة الحريري، وإلى عبد المجيد الحريري، الذين أحاطونا بمودة صادقة وكرم أصيل جعلنا نشعر أننا بين أهلنا لا في بلد نزوره للمرة الأولى.

 

لقد كانت تلك الأيام درساً عملياً في معنى الأسرة، حين يتحول الاستقبال إلى محبة، والضيافة إلى علاقة إنسانية تبقى في الذاكرة طويلاً.

 

القنيطرة.. مدينة العلم

 

ومن المحطات الجميلة التي ستبقى عالقة في الذاكرة زيارتنا لجامعة القنيطرة برفقة الدكتورة دنيا الحريري.

 

هناك رأيت وجهاً آخر من وجوه المغرب الحديثة؛ وجهاً يصنع مستقبله بالعلم والمعرفة. بدت الجامعة فضاءً أكاديمياً يعكس حجم الاستثمار الذي يوليه المغرب للتعليم العالي والبحث العلمي، ويجسد طموح جيل جديد يتطلع إلى المستقبل بثقة.

 

ولعل الجامعات في النهاية ليست مجرد مبانٍ وقاعات دراسة، بل هي مصانع للأفكار والأحلام ومشاريع التنمية القادمة.

 

في مقهى صغير.. رأيت المغرب الكبير

 

لكن المشهد الذي سيبقى الأقرب إلى قلبي لم يكن في جامعة ولا في معلم تاريخي.

 

كان في مقهى بوسط الدار البيضاء.

 

هناك جلست مع زوجتي نتابع مباراة للمنتخب المغربي، بينما امتلأ المكان بالرجال والنساء من مختلف الأعمار.

 

كانت الشاشات تعرض المباراة، لكن العيون كانت تعرض شيئاً أكبر من كرة القدم.

 

رأيت شعباً يحب بلده.

 

رأيت المغاربة وهم يعيشون كل دقيقة من المباراة وكأنهم داخل الملعب. ترتفع الهتافات مع كل هجمة، وتتسع الابتسامات مع كل لمسة جميلة للكرة، ويخيم الصمت عند لحظات الترقب.

 

لم يكن الأمر مجرد تشجيع لفريق وطني.

 

كان تعبيراً عن انتماء عميق لوطن استطاع أن يجعل من كرة القدم لغة جامعة بين أبنائه.

 

وفي ذلك المقهى، وبين أكواب الشاي الساخنة ورائحة النعناع المغربي التي تملأ المكان، أدركت أن سر قوة المغرب لا يكمن فقط في تاريخه أو اقتصاده أو معالمه السياحية، بل في هذا الحب الصادق الذي يحمله المغاربة لوطنهم.

 

حب ينعكس في احترامهم لرموزهم.

 

وفي اعتزازهم بتاريخهم.

 

وفي وقوفهم خلف منتخبهم الوطني.

 

وفي قدرتهم على تحويل مباراة كرة قدم إلى احتفال بالهوية والانتماء.

 

خاتمة الرحلة

 

ومع اقتراب موعد المغادرة، بدت لي الدار البيضاء وكأنها تختصر الرحلة كلها.

 

مدينة تواجه البحر بثقة.

 

ومسجد يعانق السماء.

 

وأسرة احتضنتنا بمحبة.

 

وجامعة تصنع المستقبل.

 

وشعب يعشق وطنه بكل ما فيه.

 

غادرت الدار البيضاء، لكنني تركت فيها شيئاً مني، وأخذت منها أكثر مما كنت أتوقع.

 

ولهذا ربما لا تكون نهاية الرحلات هي لحظة المغادرة، بل اللحظة التي ندرك فيها أن بعض المدن تتحول من مجرد محطة على الطريق إلى جزء من ذاكرتنا الشخصية.

 

وستبقى الدار البيضاء بالنسبة لي أكثر من مدينة.

 

ستبقى خاتمة جميلة لرحلة بدأت من كيغالي، وانتهت عند الأطلسي، لكنها ستظل مفتوحة في القلب ما بقيت الذاكرة تحتفظ بصور البحر، وأضواء المسجد، ووجوه الناس الطيبين.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: Content is protected !!