#رأي

سألتُ حماري: هل أصبح الجوع ملفاً سيادياً؟

بورتسودان : One Press

▫️ سألتُ حماري ذات مساءٍ كانت فيه البلاد تُحصي نازحيها أكثر مما تُحصي موظفيها، وكنت قد رأيت امرأةً تحمل طفلاً وهما يتشاجران مع الريح على باب خيمة ممزقة، بينما موظفٌ أنيق في إحدى المؤسسات يشرح عبر شاشة مكيفة “استراتيجية الاستجابة الإنسانية متعددة المسارات”. قلت لحماري: يا حماري، كيف أصبحت بلادنا تنتج النازحين أسرع من إنتاج القمح؟ ولماذا يبدو الجوع عندنا أكثر تنظيماً من الدولة نفسها؟ فضحك حماري حتى كادت تقع حدوته، ثم قال: يا صاحبي، في السودان الجوع ليس مجرد أزمة… بل مؤسسة قائمة بذاتها، لها بيانات وتصريحات وورش عمل وشعارات ملونة، لكنها أحياناً تنسى أن تُطعم الجائع نفسه. ثم أردف ساخراً: حتى النزوح عندنا أصبح له بروتوكول وهيكلة ولجان عليا، بينما صاحب الخيمة لا يملك سوى بطانية رطبة وكوب شاي بائس يشربه على وعد الإغاثة القادمة منذ ثلاثة أشهر.

▫️ قلت لحماري: لكني لا أفهم كيف انتقلت مفوضية العون الإنساني من وزارة الرعاية الاجتماعية إلى مجلس السيادة؟ أليست المفوضية جهازاً إنسانياً تنفيذياً؟ فنظر إليّ حماري بعين الخبير بأوجاع الدولة وقال: يا صديقي، هذا السؤال وحده يحتاج إلى لجنة قومية وثلاث ورش وبيان ختامي طويل لا يجيب على شيء. ثم تابع: منذ متى أصبح الجوع ملفاً سيادياً؟ ومتى تحولت أكياس الذرة وطلبات المنظمات وتصاريح الإغاثة إلى شأن يُدار من مؤسسة تقول الوثيقة الدستورية نفسها إنها ليست جهازاً تنفيذياً؟ ثم هز ذيله قائلاً: يبدو أن الدولة عندنا لم تعد تكتفي بإدارة السياسة، بل قررت أيضاً إدارة الجوع من الطابق السيادي الأعلى.

▫️ قلت لحماري: لكن مفوضية العون الإنساني ظلت لعقود تتبع لوزارات الشؤون الاجتماعية والتنمية والرعاية الاجتماعية، لأن طبيعتها مرتبطة بالنازحين والحماية الاجتماعية والإغاثة والكوارث. فقال حماري: هذا هو المنطق الطبيعي في أي دولة عاقلة، لكن مشكلتنا أن بعض مؤسساتنا تُنقل أحياناً ليس وفق طبيعة اختصاصها، بل وفق طبيعة النفوذ الذي يحيط بها. ثم أضاف بنبرة ساخرة: حين تصبح المؤسسات قطع شطرنج في رقعة السياسة، فلا تستغرب أن تجد ملف الخيام أقرب إلى مجلس السيادة من وزارة الرعاية الاجتماعية.

▫️ قلت له: وما المشكلة في ذلك إن كانت الدولة تريد إحكام السيطرة على الملف الإنساني؟ فتوقف حماري قليلاً، ثم قال: هنا تبدأ الكارثة الحقيقية. لأن المجتمع الدولي والمنظمات الإنسانية لا تنظر بارتياح إلى اقتراب العمل الإنساني من المؤسسات السياسية والسيادية. فالعمل الإنساني يحتاج إلى الحياد، بينما السياسة بطبيعتها منحازة ومشحونة بالصراع. وعندما تختلط الإغاثة بالنفوذ، تبدأ الأسئلة الكبيرة بالظهور: من يدير المساعدات؟ ومن يتحكم في المنظمات؟ وهل أصبحت الإنسانية جزءاً من توازنات السلطة؟

▫️ ثم واصل حماري حديثه قائلاً: والأغرب من كل ذلك أن فصل المفوضية عن وزارة الرعاية الاجتماعية خلق حالة من التشظي الإداري. فالوزارة تتحدث عن الحماية الاجتماعية والنازحين والعودة الطوعية، بينما المفوضية تدير الإغاثة والمنظمات والمساعدات. فأصبح النازح المسكين يدور بين المؤسسات كما يدور المواطن بين شبابيك الكهرباء والمياه والجوازات. وفي النهاية لا يجد سوى ختم جديد وورقة جديدة ووعد جديد.

▫️ وقبل أن يغادرني، التفت حماري وقال جملته الأخيرة: يا صاحبي، أخطر ما يصيب الدول ليس الجوع وحده، بل أن تفقد مؤسساتها معناها الطبيعي. فعندما يصبح مجلس السيادة مشغولاً بأكياس الإغاثة وتصاريح المنظمات، بينما تتوه الملفات الاجتماعية بين الوزارات، فاعلم أن الدولة لم تعد تُدار بمنطق الاختصاص، بل بمنطق السيطرة. وحينها لا تسأل فقط: أين ذهبت المفوضية؟ بل اسأل السؤال الأكثر إيلاماً: من الذي أعاد هيكلة الجوع نفسه؟

 

عوض الله نواي – مدير وكالة One Press للتحقيقات الصحفية والإعلام

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: Content is protected !!