توثيق للحرب في أصغر بوابات السودان على إثيوبيا
الكرمك / تقرير : One Press
التحرير: بيان رسمي يؤكد سقوط آخر معاقل التمرد في النيل الأزرق
أصدرت القيادة العامة للقوات المسلحة السودانية، اليوم الأربعاء الموافق الثامن من يوليو 2026، بيانًا رسميًا أكدت فيه تحرير مدينة الكرمك بولاية النيل الأزرق بالكامل، بعد معارك وصفها البيان بـ”الشرسة”، تكبدت خلالها مليشيا الدعم السريع خسائر كبيرة في الأرواح والعتاد، قبل أن تنسحب فلولها من المدينة تاركة خلفها أسلحة ومركبات.
وحيّا البيان الرسمي أهالي الكرمك والمناطق المجاورة على ما وصفه بصمودهم خلال فترة سيطرة مليشيا الدعم السريع، متعهدًا بأن تكون حماية المدنيين واستعادة الخدمات الأساسية وتهيئة الأجواء لعودة النازحين على رأس أولويات المرحلة المقبلة. كما جدد تأكيده استمرار العمليات العسكرية حتى استعادة كامل الأراضي التي لا تزال خارج سيطرة الدولة.

يأتي هذا البيان تتويجًا لسلسلة من الإعلانات الميدانية المتقاربة خلال الأيام الأخيرة؛ إذ سبقه في 3 يوليو إعلانٌ من قائد فيلق البراء بن مالك، المصباح أبوزيد طلحة، عن “تحرير” المدينة، ثم أعلن العقيد الركن عبادي الطاهر الزين، قائد متحرك النبأ اليقين على جبهة جنوب النيل الأزرق، استعادتها اليوم عبر منشور شخصي احتفى فيه بانتصار قواته. أما بيان القيادة العامة فهو التأكيد الرسمي الحاسم الذي ينهي حالة الترقب التي سادت منذ إحكام الجيش سيطرته على آخر الأحزمة المحيطة بالمدينة، وفي مقدمتها سركم ومقجة.
وبذلك تطوي الكرمك -بعد نحو مئة وستة عشر يومًا تحت سيطرة مليشا الدعم السريع وحليفتها الحركة الشعبية لتحرير السودان-شمال بقيادة عبد العزيز الحلو، منذ سقوطها في 24 مارس 2026- فصلًا جديدًا في تاريخها الملتهب. وفيما يلي توثيق زمني لما جرى في هذه المدينة الحدودية منذ اندلاع الحرب السودانية في أبريل/نيسان 2023 وحتى تحريرها اليوم.
الكرمك.. مدينة صغيرة بموقع كبير
الكرمك محلية حدودية صغيرة في أقصى جنوب إقليم النيل الأزرق، لا يفصلها عن الأراضي الإثيوبية سوى جسر لا يتجاوز طوله أمتارًا معدودة. وعلى الرغم من صغر حجمها السكاني، فإنها تحظى بأهمية استراتيجية بالغة؛ إذ تقع على أحد الطرق الرئيسية الرابطة بين الدمازين، عاصمة الولاية، ومناطق الجنوب الشرقي للسودان، كما تشكل نقطة عبور حيوية للتجارة والحركة السكانية باتجاه إثيوبيا.
ولإقليم النيل الأزرق تاريخ طويل مع النزاع المسلح يعود إلى ثمانينيات القرن الماضي، حين اتخذته الحركة الشعبية لتحرير السودان بقيادة جون قرنق معقلًا للمعارضة المسلحة ضد الحكومات المتعاقبة في الخرطوم. وبعد انفصال جنوب السودان عام 2011، بقيت فصائل الحركة الشعبية-شمال تخوض قتالًا متقطعًا مع الجيش السوداني في النيل الأزرق وجنوب كردفان، قبل أن يخفت هذا الصراع نسبيًا في السنوات التالية بفعل اتفاقيات هدنة هشة لم تصمد طويلًا.
الحرب تصل متأخرة إلى الإقليم
حين اندلعت الحرب بين الجيش السوداني و مليشيا الدعم السريع في منتصف أبريل 2023 على خلفية خلافات حول دمج المليشيا في المؤسسة العسكرية وتقاسم السلطة، ظل إقليم النيل الأزرق بمنأى نسبيًا عن المعارك الكبرى التي عصفت بالخرطوم ومدن وسط وغرب البلاد. غير أن الهدوء لم يدم؛ فمع اتساع رقعة الحرب، وصلت الاشتباكات إلى أطراف الإقليم، وامتدت إلى بلدات داخله مثل شمار شمالًا وبوط غربًا، فيما ظلت الدمازين تحت حصار متقطع عقب سقوط مدينة سنجة المجاورة، معقل الفرقة 17 مشاة التابعة للجيش.
ومنذ يناير/كانون الثاني 2026، بدأت الحركة الشعبية-شمال، المتحالفة مع مليشيا الدعم السريع، شن هجمات متصاعدة على بلدات الكرمك وقيسان وباو، مصحوبة بضربات جوية بطائرات مسيّرة استهدفت هذه المدن الحدودية القريبة من جنوب السودان وإثيوبيا. ووصفت تقارير دولية هذا التصعيد بأنه محاولة لفتح جبهة موازية تخفف الضغط عن قوات الدعم السريع في جبهة كردفان. ورويدًا رويدا، تطورت هذه المناوشات إلى معارك واسعة، بلغت ذروتها في مارس/آذار 2026.
سقوط الكرمك: 24 مارس 2026
شكّل شهر مارس 2026 اللحظة الأكثر اضطرابًا أمنيًا في تاريخ النيل الأزرق منذ اندلاع الحرب. ففي 24 من الشهر، وبعد معارك عنيفة، أعلنت مليشيا الدعم السريع والحركة الشعبية-شمال سيطرتهما الكاملة على مدينة الكرمك، إلى جانب منطقتي البركة والكيلي المحيطتين بها. وأكد قائد اللواء السادس عشر مشاة بالجيش انسحاب قواته من المدينة بعد فشل عدة محاولات لصد الهجوم.
وتوالت الإعلانات الميدانية للتحالف المهاجم؛ ففي اليوم نفسه أعلنت الحركة الشعبية-شمال السيطرة على “خور البودي” بعد معارك حاسمة، ثم أعلنت قوات الدعم السريع في 26 مارس سيطرتها على منطقة مقجة، فيما سيطر التحالف كذلك على بلدة جُرط في محيط الكرمك واستولى على كميات من الأسلحة والذخيرة. وفي 31 مارس، أعلنت الحركة الشعبية سقوط قتلى وجرحى في هجوم بطائرة مسيّرة نفذه الجيش على منطقة أنجيلي.
في المقابل، أعلن الجيش السوداني في 5 مارس انضمام منشقين من الحركة الشعبية-شمال في النيل الأزرق إلى صفوفه، في مؤشر على انقسامات داخل تحالف المتمردين، عكسها لاحقًا الحديث عن فصيلين منفصلين للحركة، أحدهما بقيادة عبد العزيز الحلو والآخر بقيادة جوزيف توكا.

نزوح جماعي وأزمة إنسانية متفاقمة
خلّف سقوط الكرمك موجة نزوح جماعي واسعة. ففي 26 مارس 2026، أعلنت غرفة طوارئ النيل الأزرق الإنسانية نزوح عشرات الآلاف من سكان المدينة باتجاه الدمازين والمناطق المجاورة، معظمهم من النساء والأطفال، وسط روايات عن نازحات قطعن الطريق سيرًا على الأقدام في ظروف بالغة القسوة. كما أعلنت غرفة طوارئ قيسان، في اليوم التالي، نزوح أعداد كبيرة من سكانها بحثًا عن الأمان.
ووفق تقديرات أولية نقلتها الجزيرة عن محافظ الكرمك، فقد نزح أكثر من 500 أسرة من مركز المدينة توزعت على معسكرات في عدة بلدات بالإقليم، فيما بقي نحو ألفي شخص عالقين لم يتمكنوا من الوصول إلى مناطق آمنة بسبب ضراوة القتال. وبحلول مايو/أيار 2026، تحدثت تقارير عن نزوح نحو 30 ألف شخص إضافي جراء تجدد الهجمات، ليصل إجمالي النازحين من الكرمك ومحيطها إلى نحو 73 ألف شخص، ثم أشارت تقارير لاحقة إلى نزوح 4650 شخصًا آخرين من المحلية في مايو وحده.
وحذّرت شبكة أطباء السودان من أن النازحين يواجهون ظروفًا إنسانية بالغة القسوة في مراكز الإيواء، مع انتشار الأوبئة ونقص حاد في الغذاء والمياه وتدهور الخدمات الصحية. ومع اقتراب موسم الأمطار في يوليو 2026، رصد مراسلون ميدانيون أوضاعًا متردية في مخيمات الدمازين، ومنها مخيم “الكرامة 3” الذي ضم وحده نحو ثلاثة آلاف أسرة تعيش في خيام وأكواخ هشة لا تقوى على مواجهة الرياح والأمطار، وسط مخاوف من انتشار الأمراض والزواحف السامة. ورغم ذلك، نفى محافظ الكرمك تسجيل إصابات بالكوليرا بين النازحين حتى مطلع يوليو.
معركة الاستعادة: خط زمني للعمليات العسكرية
منذ سقوط الكرمك، تعهدت القيادة العسكرية باستعادتها، وزار رئيس هيئة أركان الجيش، الفريق أول ياسر العطا، الإقليم وتعهد بإرسال تعزيزات لاستعادة المناطق الواقعة تحت سيطرة قوات الدعم السريع. وجاءت عملية الاستعادة تدريجية، عبر سلسلة من المعارك الموضعية:
– **9 مايو 2026**: أعلن الجيش، عبر الفرقة الرابعة مشاة والقوات المساندة، تحرير منطقة الكيلي الواقعة على تخوم الكرمك بالمحور الجنوبي، بعد معارك ضد مليشيا الدعم السريع وقوات جوزيف توكا. وشهدت الدمازين مسيرات جماهيرية ابتهاجًا بالانتصار. وفي اليوم نفسه، أعلنت الحركة الشعبية-شمال سيطرتها على بلدات دوكان وكرن كرن وخور الحسن قرب الكرمك، مؤكدة تقدمها نحو مدينة قيسان، في مؤشر على أن المعركة ظلت متأرجحة الكفة.
– **24 مايو 2026**: أعلنت القوات المسلحة “تطهير كامل” منطقة البركة على تخوم الكرمك، بعد تدمير عدد من المعدات العسكرية للمليشيا وإلحاق خسائر بقوات جوزيف توكا، في امتداد لسلسلة عمليات شملت استعادة كرن كرن ودوكان.
– **31 مايو 2026**: أعلن محافظ الكرمك أن القوات المسلحة حطّمت الدفاعات المتقدمة لمليشيا الدعم السريع والحركة الشعبية في مناطق البركة وخور القنا وخور حلبية، مشيرًا إلى أن ساعات قليلة تفصل الجيش عن تحرير المدينة بالكامل. وكشف حينها عن حجم التخريب الممنهج الذي طال المدينة إبان سيطرة المتمردين عليها، بما في ذلك المستشفيات ومحطات المياه، إلى جانب عمليات نهب طالت سوقها وممتلكات سكانها.
– **مطلع يوليو 2026**: أعلن الجيش تحرير منطقتي سركم ومقجة، الواقعتين على مقربة من الكرمك، ضمن عمليات وُصفت بالحاسمة، أسفرت -بحسب بيانات الجيش- عن سقوط عشرات القتلى والجرحى في صفوف مليشيا الدعم السريع وتدمير عشرات العربات القتالية ومخزنين للذخيرة داخل الكرمك نفسها.
– **3 يوليو 2026**: أعلن قائد فيلق البراء بن مالك، المصباح أبوزيد طلحة، عبر منصات التواصل الاجتماعي أن الكرمك “محررة تمامًا”، من دون صدور تأكيد رسمي فوري من القيادة العامة للجيش حينها.
– **8 يوليو 2026**: أعلن العقيد الركن عبادي الطاهر الزين، قائد متحرك النبأ اليقين على جبهة جنوب النيل الأزرق، استعادة السيطرة الكاملة على المدينة عبر منشور شخصي، قبل أن تصدر القيادة العامة للقوات المسلحة السودانية في اليوم نفسه بيانًا رسميًا يؤكد تحرير الكرمك “عنوة واقتدارًا”، واصفةً المعارك التي سبقت الحسم بـ”الشرسة”، ومؤكدة إلحاق خسائر فادحة بقوات الدعم السريع في الأرواح والعتاد قبل انسحاب فلولها من المدينة.
على التوازي مع معركة الكرمك، شهدت جبهات أخرى في البلاد تطورات مشابهة، أبرزها استعادة الجيش والقوات المشتركة مدينة كلبس ومحلية أبو قمرة في غرب دارفور، ما يعكس نمطًا أوسع من محاولات الجيش استعادة المبادرة الميدانية في أكثر من إقليم في الوقت نفسه.

ما تبقى بعد صمت المدافع
مع صدور البيان الرسمي بتحرير الكرمك، تبقى التحديات التي تنتظر المدينة وسكانها لا تقل جسامة عن المعركة العسكرية نفسها. فقد أقر بيان القيادة العامة نفسه بأن استعادة الخدمات الأساسية وتهيئة الظروف لعودة الحياة الطبيعية تمثل أولوية للمرحلة المقبلة، في اعتراف ضمني بحجم الدمار الذي خلّفته أشهر الاحتلال؛ إذ طال التخريب والنهب مستشفيات المدينة ومراكزها الصحية ومحطات مياهها الأساسية، كما تعرّض سوقها المركزي لعمليات سلب واسعة طالت ممتلكات المواطنين.
وفي المقابل، لا يزال عشرات الآلاف من أبناء الكرمك يعيشون نزوحًا ممتدًا في الدمازين والمدن المجاورة، في مخيمات تفتقر لأبسط مقومات الحياة، وسط تحذيرات من تفاقم الأوضاع الصحية والإنسانية مع حلول موسم الأمطار. ويبقى السؤال الأهم معلقًا: متى وكيف يمكن لهؤلاء النازحين العودة إلى منازلهم بأمان، في ظل مدينة تحتاج إلى إعادة إعمار شاملة، وفي ظل تأكيد القيادة العسكرية استمرار “معركة الكرامة” على جبهات أخرى من البلاد لم تضع أوزارها بعد.



