#رأي

مرض الموت

▪️ هناك أمراض تصيب البشر والأمراض التي تصيب الحيوان وتلك التي تصيب المجتمع وأخري تصيب الدول ، أي والله هناك أمراض تصيب الدول ، تبدّا بالزكام ، الانفلونزا ، تعطس الدولة ثم يضيق نفسها حتي تفطس . فالدول، مثل الأفراد، لا تموت دفعة واحدة، وإنما تنهشها العلل ببطء حتى تبلغ مرحلة لا ينفع معها طبيب ولا دواء. وكما يقول أهل السودان: «مرض الموت ما بداوي».

 

▪️ ومن أمراض الدول، الابتلاء بساسة فاقدي القدرة علي التخطيط وقصري النظر، متشبثين بالسلطة كأنها ميراث شخصي. قوم يأكلون أموال الناس، وينظرون إلى المال العام كأنه غنيمة مباحة، فلا يتركون حقاً عاماً إلا امتدت إليه الأيدي، حتى وإن كان كحلاً في عيون المجتمع. وحين يختلط الجهل بالسلطة، يصبح المرض مزمناً، ويغدو الداء نفسه هو الطبيب.

 

▪️ وفي اقتصاد الحرب، حيث تتغير القواعد وتتبدل الأولويات، تصبح الرؤية والبصيرة شرطاً للبقاء. غير أن الحالة السودانية تكشف عن تخبط يكاد يتحول إلى منهج للحكم. فمجلس كامل إدريس الإدريسي، الذي يبدو وكأنه ينتمي إلى الطائفة المنتظراتية، يتعامل مع شعب أنهكته الحرب وكأن الغباء المستفحل قدر مكتوب عليه. حظر لسلع، ومنع لأخرى، وزيادات متواصلة في الجبايات والرسوم، وإنفاق لما تبقى في خزينة البلاد وما تبقى في جيوب العباد، حتى أصبح المواطن يدفع فاتورة الحرب وفاتورة سوء الإدارة في آن واحد.

 

▪️ ولم يعد فشل حكومة كامل إدريس، في نظر كثيرين، مجرد تعثر عابر، بل تحول إلى حالة من العجز عن قراءة الواقع والتعامل مع أزماته. فالعملة الوطنية تتهاوى، والأسواق مضطربة، والناس يطاردون لقمة العيش كما يطارد العطشان السراب، بينما تتوالى القرارات المرتجلة وكأن البلاد في رخاء لا في محنة. والدولة التي تعجز عن إدارة اقتصاد الحرب، سرعان ما تصبح أسيرة للحرب الاقتصادية.

 

▪️ شهدنا سقوط أنظمة كثيرة، ورأينا حكومات أكلتها أزماتها، لكننا لم نشهد سقوط الدولة والمجتمع دفعة واحدة. فالأنظمة تسقط حين يعجز من يحكمها عن تسييرها فتلتهمه الأزمات، أما سقوط المجتمع فهو الوجه الأكثر قسوة، حين تبدأ الحروب الأهلية، ويقاتل الشعب بعضه بعضاً، وتعود العصبيات القديمة، وتصبح القبيلة وطناً، ويصبح الوطن مجرد ذكرى.

 

▪️ وعندما تدخل الدول مرحلة مرض الموت، فإن الحكومات لا تسقط وحدها، بل تسحب معها المؤسسات والقيم والاقتصاد وهيبة القانون. يخرج المجتمع من تحت عباءة الدولة يبحث عن ملاذ في القبيلة أو الجهة أو البندقية. وحين تبلغ الأزمات ذروتها، لا يعود السؤال من يحكم، بل ماذا بقي من الوطن؟

 

▪️ وهكذا، تبدو دولة كامل إدريس وكأنها لم تعد تواجه أزمة حكومة فحسب، بل أزمة وجود. وحين تعجز السلطة عن رؤية النار المشتعلة تحت أقدامها، فإنها لا تسقط وحدها، بل تُسقط معها شعباً بأكمله، وأمة أرهقتها الحروب واستنزفتها الأزمات، حتى تجد نفسها واقفة على حافة هاوية، لا يُسمع فيها إلا أنين الجوع، وصدى البنادق، ونداء وطن ضائع بين الركام.

*عوض الله نواي- مدير وكالة One Press للتحقيقات الصحفية والإعلام*

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: Content is protected !!