أخبار عاجله
#السودان #رأي

محكمة الرأي العام ..قراءة في حيثيات حكم رشان

مقال تحليلي : بورتسودان – خاص الوكالة

 

▪️لم تولد الصحافة لتكون منصة للمديح ولا ساحة لتصفية الحسابات، بل نشأت بوصفها عين المجتمع المفتوحة على السلطة والمال والنفوذ. فمنذ أن عرف الإنسان الدولة، عرف الحاجة إلى من يراقبها، يفتش في ملفاتها، ويسألها الأسئلة التي يخشى الآخرون طرحها. ولهذا بقيت الصحافة، خصوصاً الصحافة الاستقصائية، واحدة من أخطر المهن وأكثرها حساسية، لأنها تتحرك دائماً في المنطقة الواقعة بين الحقيقة والنفوذ.

▪️التحقيق الصحفي ليس مقال رأي غاضباً، ولا منشوراً انفعالياً، بل علم كامل له قواعده الصارمة. يبدأ بالمعلومة، ثم الوثيقة، ثم التحقق، ثم منح حق الرد، ثم استخدام اللغة القانونية الآمنة. فالصحفي لا يعمل قاضياً يصدر الأحكام، ولا وكيلاً للنيابة يوجه الاتهامات، وإنما ناقل وقائع يترك للقارئ وللقضاء حق التقييم النهائي.

▪️الحكم الصادر بحق الصحفية رشان أوشي أحدث صخباً واسعاً داخل الوسط الإعلامي والسياسي، لأن القضية تجاوزت شخص الكاتبة إلى سؤال أكبر يتعلق بحدود حرية الصحافة في السودان، والمسافة الفاصلة بين كشف الفساد وبين الوقوع تحت طائلة قوانين إشانة السمعة وجرائم المعلوماتية.

▪️وبحسب منطوق الحكم الصادر من محكمة جرائم المعلوماتية، فقد أُدينت الكاتبة بموجب المادة (25/26) من قانون مكافحة جرائم المعلوماتية لسنة 2018 تعديل 2020، مع الحكم بالسجن لمدة عام والغرامة المالية. غير أن القضية، في تقدير كثيرين، لم تكن مجرد نزاع قانوني تقليدي، بل مواجهة معقدة بين حق المجتمع في المعرفة وحق الأفراد في حماية السمعة والاعتبار.

▪️المقال محل النزاع حمل اتهامات بالغة الخطورة لمسؤولين وضباط، واستخدم لغة حاسمة من قبيل “الخيانة” و”الفساد” و”التستر”، وهي أوصاف ثقيلة قانونياً، خصوصاً عندما تُنشر عبر الوسائط الإلكترونية. المحكمة — وفق ما يظهر من منطوق الحكم — رأت أن النص تجاوز حدود النقد والتحليل إلى مستوى الإسناد المباشر لوقائع جنائية دون أحكام قضائية نهائية منشورة تسند تلك الاتهامات.

▪️في المقابل، يرى قطاع واسع من الصحفيين أن القضية تتعلق أساساً بحق الصحافة في الاقتراب من ملفات الفساد داخل المؤسسات العامة، وأن تضييق مساحة النشر الاستقصائي قد يدفع الصحفيين إلى الخوف من تناول قضايا المصلحة العامة. بينما يرى آخرون أن قوة القضية الصحفية لا تأتي من حدة اللغة، وإنما من قوة الوثيقة ودقة الصياغة القانونية.

▪️في مرافعة الرأي العام، بدت القضية وكأنها مواجهة بين طرفين:

كاتبة تقول إنها كشفت وقائع تتعلق بالمصلحة العامة، وشاكٍ رأى أن المقال ألحق به ضرراً معنوياً ومهنياً جسيماً عبر نشر اتهامات تمس الشرف الوظيفي والوطني. وبين الطرفين وقفت المحكمة لتفصل ليس في الجدل السياسي، بل في طريقة الصياغة وحدود المسؤولية القانونية للنشر الإلكتروني.

▪️القضية أعادت إلى الواجهة سؤالاً قديماً داخل غرف التحرير: كيف يوازن الصحفي بين الجرأة المهنية والسلامة القانونية؟ فالكثير من التحقيقات القوية تسقط قضائياً لا بسبب ضعف المعلومات، بل بسبب طريقة الكتابة. كلمة واحدة قطعية قد تحول التحقيق من “كشف صحفي” إلى “اتهام مباشر”، ومن “معلومة قيد الفحص” إلى “إدانة علنية”.

▪️المدارس الحديثة في الصحافة الاستقصائية تقوم على مبدأ بسيط:

“دع الوثيقة تتحدث، لا الكاتب.”

ولهذا تعتمد المؤسسات المهنية الكبرى على لغة التحوط القانوني مثل: “بحسب مستندات”،

“وفق مصادر”،

“تشير التحقيقات”،

“لم يتسن الحصول على رد”،

بدلاً من اللغة الجازمة التي قد تُفهم كحكم نهائي.

▪️الصحافة ليست خصماً لأحد، لكنها أيضاً ليست محكمة. مهمتها أن تفتح الباب للحقيقة، لا أن تصدر الأحكام باسم المجتمع. وكلما اقترب الصحفي من الملفات الحساسة، ازدادت حاجته إلى الدقة، والتوازن، والوعي القانوني.

▪️وربما تكون أهم توصية خرجت بها هذه القضية للزملاء الصحفيين هي أن التحقيق الاستقصائي لم يعد مجرد موهبة في الكتابة، بل أصبح علماً قائماً بذاته، يحتاج إلى التدريب على: التحقق من المعلومات،

إدارة الوثائق،

حق الرد،

السلامة الرقمية،

والصياغة القانونية الآمنة.

▪️فالصحفي الذي يحمل قلماً بلا معرفة قانونية، قد يخسر قضيته حتى وهو يقترب من الحقيقة.

عوض الله نواي – مدير وكالة One Press للتحقيقات الصحفية والإعلام

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: Content is protected !!