أخبار عاجله
#السودان #رأي

بيت الجالوص… والنائحة المُستأجرة

▪️في الدراما السودانية القديمة، لم يكن اختيار الأسماء عبثاً. فالاسم عند الكاتب الحقيقي ليس زينة لغوية، بل مفتاح لفهم الفكرة كلها. ولذلك جاء مسلسل بيت الجالوص بعنوانه الصادم والدلالي معاً.

▪️و”الجالوص” في الثقافة السودانية ليس مجرد بيت طيني، بل بيت يحتاج إلى ترميم دائم، وإلى طلاء متكرر بروث الأبقار حتى يخفي التشققات ويمنح الجدران شكلاً يبدو متماسكاً من الخارج، بينما الحقيقة في الداخل شيء آخر تماماً.

▪️ذلك “الطلاء” ليس ترميماً حقيقياً، بل عملية تجميل مؤقتة لبيت قابل للتصدع في أي لحظة.

▪️ولهذا بدت الفكرة الذكية في المسلسل وكأنها إسقاط مباشر على عالم الفساد والرشاوى والمحسوبية، حيث تُستخدم الأموال والهبات والعطايا كطبقة “زبالة” جديدة لتغطية الروائح القديمة، وإخفاء التشققات الأخلاقية التي تنهش المؤسسات والإعلام والسياسة معاً.

▪️المسلسل الذي كتبه الدكتور علي بلدو، وقدمه عبر الإذاعة السودانية في إطار “السايكو دراما”، لم يكن مجرد حكاية عن رجل أعمال فاسد يحاول طمس ماضيه، بل محاولة لقراءة النفس البشرية حين تتحول الرشوة إلى أسلوب حياة، وحين يصبح شراء الذمم أسهل من مواجهة الحقيقة.

▪️وفي الحقيقة… الصحافة نفسها تملك “بيوت جالوص” كثيرة.

▪️فهناك صحفيون لا يعيشون على المهنة، بل على ما يُطلى به الجدار. كلما ظهرت فضيحة، جاء الطلاء. كلما انكشف فساد، جاءت “الزبالة” الجديدة لتغطية الرائحة. وكلما تصدع الجدار، ظهر ممول جديد يحمل قدحاَ آخر من الطلاء.

▪️ومن هنا ظهر السؤال الذي يتداوله الناس هذه الأيام:

هل النائحة… مُستأجرة؟

▪️طبعاً، كثيرون سخروا من الرجل الذي قال عبارته الشهيرة عن “النائحة المستأجرة”، وتحولت الجملة إلى مادة للتندر في الأسافير، لكن وسط الضحك اختفى السؤال الأهم:

من يدفع؟

▪️فالبرنامج الذي يُقدَّم بصورة يومية أو شبه يومية لا يُبث عبر هاتف متهالك داخل غرفة ضيقة، ولا يُنتج بطريقة “لايفات المليشيات” المرتجلة، بل يتم تصويره داخل استوديو محترم في المهندسين، بطاقم تصوير وإضاءة ومونتاج وإخراج، وهي أشياء لا تُدار بالعواطف ولا بالشعارات الثورية، بل بالفواتير.

▪️ومن حق الناس أن تسأل، دون إساءة أو تجريح:

ما هو مصدر التمويل؟

▪️فالشفافية ليست مطلوبة من المسؤول الحكومي فقط، بل حتى من الصحفي الذي يضع نفسه في مقام الواعظ الأخلاقي اليومي للناس.

▪️الصحفي حين يتحول إلى منصة اتهام مفتوحة ضد الجميع، يصبح هو أيضاً مطالباً بأن يشرح للرأي العام كيف تُدار منصته، ومن أين تأتي ميزانية الإنتاج، ومن يدفع إيجار الاستوديو، ومن يتحمل التكلفة الشهرية الكاملة.

▪️لأن أخطر أنواع الصحافة ليست الصحافة المنحازة… بل الصحافة التي تُخفي مموليها خلف ستار “الاستقلالية”.

▪️والمشكلة ليست في وجود ممول، فحتى أكبر المؤسسات الإعلامية في العالم لها ممولون ومساهمون، لكن الفارق أن المؤسسات المحترمة تعلن ذلك بوضوح، بينما تتحول بعض المنصات عندنا إلى “بيت جالوص” كبير؛ كل فترة يأتي من يطليه بطبقة جديدة حتى لا تظهر التشققات.

▪️وفي السودان، للأسف، لم تعد بعض المنصات الإعلامية تعمل بمنطق “الرأي والرأي الآخر”، بل بمنطق “ادفع… نكتب”.

فإذا توقف الطلاء… ظهر الجدار الحقيقي.

▪️ولهذا فإن السؤال سيظل قائماً:

هل النائحة مُستأجرة فعلاً؟

أم أن كل ما نراه مجرد سوء ظن؟

▪️الإجابة لا تحتاج خطابات طويلة، ولا صراخاً في الكاميرا، ولا حفلات شتائم متبادلة.

الإجابة أبسط من ذلك كله:

▪️شفافية مالية واضحة.

ومصارحة للرأي العام.

وكشف لمصادر التمويل.

▪️أما غير ذلك… فسيظل مجرد طبقة جديدة من “زبالة الجالوص” فوق جدار قديم يخشى أصحابه سقوطه.

بورتسودان

 

*عوض الله نواي – مدير وكالة One Press للتحقيقات الصحفية والإعلام*

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: Content is protected !!