▪️في السودان، كلمة “مولانا” ليست منصوصاً عليها في الدساتير ولا القوانين، فلا يوجد نص في قانون الإجراءات الجنائية أو قانون السلطة القضائية يُعرِّف القاضي بمولانا، ولا وكيل النيابة بمولانا، لكنها كلمة استقرت في الوجدان السوداني حتى أصبحت جزءاً من هيبة العدالة نفسها.
▪️يقول الناس: “مولانا القاضي”، و”مولانا وكيل النيابة”، وكأن المجتمع منح أهل القانون لقباً أخلاقياً قبل أن يمنحهم لقباً وظيفياً.
▪️وربما يعود أصل الكلمة إلى “من وُلِّي أمر الناس”، لأن القاضي والنيابة ليسا مجرد موظفين في دولة، بل أمناء على الحقوق والدماء والحريات.
▪️النيابة العامة في السودان لم تولد كمؤسسة عابرة، بل نشأت مع تشكل الدولة الحديثة نفسها. فمنذ بدايات الإدارة العدلية في العهد الثنائي، كان الادعاء الجنائي جزءاً من منظومة الحكم، قبل أن تتطور النيابة لاحقاً كمؤسسة مستقلة تتولى تحريك الدعوى الجنائية باسم المجتمع.
▪️وظلت النيابة لعقود تمثل البوابة الأولى للعدالة، فهي التي تستقبل الشكوى، وتحقق، وتقرر، وتحفظ، وتقدم الناس للمحاكم. ولهذا ظل وكلاء النيابة في الوعي السوداني أقرب إلى “حراس القانون” منهم إلى مجرد إداريين داخل مكاتب الدولة.
▪️ومن هذه المؤسسة الطويلة والمعقدة خرج اسم مولانا انتصار أحمد عبدالعال، التي أعلن تعيينها نائباً عاماً لجمهورية السودان، في خطوة تُعد الأولى من نوعها في تاريخ البلاد، لتصبح أول امرأة تتولى هذا المنصب منذ تأسيس الدولة السودانية الحديثة.
▪️التعيين في ذاته ليس مجرد حدث بروتوكولي، بل لحظة رمزية في تاريخ العدالة السودانية، لأن منصب النائب العام ليس وظيفة عادية، بل الموقع الذي يقف بين الدولة والمواطن، بين السلطة والحق، بين القانون والانتقام.
▪️قالت النائب العام مولانا انتصار أحمد عبدالعال، عقب أدائها القسم، إن أولويات عمل النيابة العامة في المرحلة المقبلة ستتمثل في ملاحقة مرتكبي الجرائم والانتهاكات الجسيمة، إلى جانب مكافحة الفساد بكل أشكاله وأنواعه.
▪️وهو تصريح يبدو في ظاهره عادياً، لكنه في واقع السودان اليوم يُشبه فتح باب ثقيل ظل موارباً لسنوات طويلة.
▪️فالبلاد التي أنهكتها الحرب، وتنازعتها الاتهامات، وتكدست فيها الملفات، لم تعد تحتاج إلى شعارات عن العدالة بقدر حاجتها إلى عدالة تتحرك بالفعل.
▪️لأن الجرائم حين تتراكم بلا مساءلة، تتحول من وقائع فردية إلى ثقافة عامة، ومن استثناء إلى أمر مألوف.
▪️مولانا انتصار ليست اسماً هبط فجأة على المشهد.
▪️هي ابنة المؤسسة العدلية نفسها.
▪️دخلت وزارة العدل والنيابة العامة منذ العام 1988، وظلت تتدرج في المواقع المختلفة حتى أصبحت، وفق الأقدمية، أقدم أعضاء النيابة العامة.
▪️درست القانون بجامعة القاهرة – فرع الخرطوم، ونالت ليسانس الحقوق عام 1985، ثم ماجستير القانون الخاص من جامعة جوبا، وأكملت امتحان مهنة القانون في العام 1986.
▪️عملت في مواقع حساسة ومعقدة؛ من رئاسة نيابة مخالفات الأموال العامة، إلى إدارة التخطيط والبحوث، إلى الإشراف على قضايا الفساد وجرائم القتل، إلى رئاسة دائرة النائب العام للفحص.
▪️وهذه المواقع لا تصنعها المجاملة، بل تصنعها الملفات الثقيلة، والقرارات الصعبة، والقدرة على تحمل الضغط السياسي والمجتمعي.
▪️ولأن العدالة لا تُقاس بالنوع بل بالكفاءة، فقد جاء الترحيب بتعيينها واسعاً داخل الأوساط القانونية والحقوقية.
▪️ليس فقط لأنها امرأة، بل لأنها تحمل سيرة مهنية طويلة داخل مؤسسة تُعرف بأنها من أكثر مؤسسات الدولة تعقيداً وحساسية.
▪️وفي تقديرنا، فإن الرهان الحقيقي اليوم ليس على رمزية التعيين وحدها، بل على قدرة النيابة العامة على استعادة ثقة الناس في زمن تتشابك فيه السياسة بالحرب، والإعلام بالشائعات، والحقائق بالفوضى.
▪️مولانا انتصار شاركت كذلك في مؤتمرات وورش إقليمية ودولية تتعلق بحقوق الإنسان، والتحقيقات الجنائية، وتسليم المجرمين، ومكافحة الفساد.
▪️وهذه الخبرات باتت ضرورية في عالم لم تعد فيه الجريمة محلية فقط، بل عابرة للحدود، ومتصلة بالمال والتقنية والإعلام والجماعات المنظمة.
▪️لكن السؤال الأكبر ليس: من هو النائب العام؟
▪️بل: ما الذي يريده الناس من النيابة العامة اليوم؟
▪️الناس لا يريدون خطباً عن العدالة، بل يريدون عدالة تمشي على الأرض.
▪️يريدون نيابة لا تتحرك تحت ضغط الرأي العام، ولا تتوقف تحت ضغط النفوذ.
▪️يريدون مؤسسة تُفرّق بين الخصومة والعدالة، وبين النقد والجريمة، وبين الصحافة والتشهير.
▪️وهنا تدخل الصحافة إلى المشهد باعتبارها “السلطة الرابعة”.
▪️ولم تُسمَّ الصحافة بهذا الاسم عبثاً، بل لأنها أصبحت سلطة رقابية موازية للسلطات الثلاث: التنفيذية، والتشريعية، والقضائية.
▪️فالصحفي لا يملك السلاح، لكنه يملك المعلومة.
▪️ولا يملك السجن، لكنه يملك كشف ما يُراد له أن يبقى مخفياً.
▪️ومنذ أن ظهرت الصحافة الحديثة في أوروبا، ثم دخلت السودان مع بدايات القرن العشرين، لعبت دوراً كبيراً في تشكيل الوعي العام، وكشف الفساد، والدفاع عن الحريات، ومراقبة الحكومات.
▪️لكن الصحافة السودانية نفسها دفعت ثمناً باهظاً عبر العقود؛ مصادرات، وإيقاف، ومحاكمات، وبلاغات، وضغوط اقتصادية، وحروب إلكترونية لا تتوقف.
▪️واليوم يواجه الصحفي السوداني تحديات أكثر تعقيداً من أي وقت مضى.
▪️فهو يعمل وسط بيئة سياسية مضطربة، وقوانين متداخلة، ومنصات رقمية مفتوحة، وشائعات تنتشر أسرع من الحقيقة نفسها.
▪️وأصبح بعض الصحفيين يواجهون بلاغات تحت قوانين المعلوماتية لمجرد ممارسة العمل الصحفي أو نشر مواد تتعلق بالشأن العام.
▪️وفي تقديرنا، فإن المرحلة القادمة تحتاج إلى مراجعة عميقة للعلاقة بين النيابة والصحافة.
▪️فالنيابة هي المدخل إلى بوابة القانون، لكن القانون نفسه يجب ألا يتحول إلى أداة للتشفي أو تكميم الأفواه.
▪️ولهذا تصبح من مطلوبات الإصلاح القانوني اليوم:
▪️منع استخدام قانون الصحافة كأداة للانتقام الشخصي.
▪️ووضع ضمانات واضحة تمنع توظيف البلاغات لإرهاق الصحفيين.
▪️والتفريق بين العمل الصحفي المهني وبين الجرائم المعلوماتية الحقيقية.
▪️وفي تقديرنا، فإن أي صحفي يثبت امتلاكه قيداً صحفياً وممارسة مهنية واضحة، يجب ألا يُعامل بذات المعايير المطبقة على الحسابات المجهولة أو حملات الابتزاز الإلكتروني.
▪️فالصحافة ليست خصماً للعدالة.
▪️بل شريكاً في حماية المجتمع، وكشف الفساد، وصيانة الحق العام.
▪️ويبقى تعيين مولانا انتصار أحمد عبدالعال لحظة فارقة، ليس لأنها أول امرأة تصل إلى هذا الموقع فقط، بل لأن المنصب نفسه يأتي في واحدة من أكثر لحظات السودان تعقيداً.
▪️وستكون أمامها ملفات ثقيلة، وأسئلة أكبر من الأشخاص، وتحديات تتعلق بثقة الناس في القانون نفسه.
▪️فالعدالة في زمن الحروب لا تحتاج فقط إلى نصوص، بل تحتاج إلى شجاعة… وحكمة… ومسافة واحدة من الجميع.
*بورتسودان*
*عوض الله نواي – مدير وكالة One Press للتحقيقات الصحفية والإعلام*



