بورتسودان – one press
▪️ حين تسقط الأنظمة، تبدأ الدول عادةً رحلة البحث عن العدالة، لكن الخطر الحقيقي يظهر عندما تتحول العدالة نفسها إلى ساحة للصراع السياسي. ففي السودان، جاءت لجنة إزالة التمكين ومحاربة الفساد واسترداد الأموال العامة كواحدة من أكثر المؤسسات إثارةً للجدل بعد سقوط نظام الإنقاذ، بين من رأى فيها أداة ضرورية لتفكيك بنية التمكين السياسي والاقتصادي، ومن اعتبرها بابًا واسعًا لتجاوز القانون وإضعاف مؤسسات الدولة تحت لافتة الثورة.
▪️ قانون لجنة إزالة التمكين، من حيث الفكرة الأساسية، تأسس على إزالة آثار نظام الثلاثين من يونيو 1989، واسترداد الأموال العامة، وإنهاء السيطرة الحزبية على مؤسسات الدولة والخدمة المدنية والاقتصاد. وقد منح القانون اللجنة سلطات واسعة شملت المصادرة، وإنهاء الخدمة، وإلغاء التعيينات، وتجميد الأرصدة، ومراجعة الشركات والمؤسسات والواجهات الاقتصادية المرتبطة بالنظام السابق. وكانت الفلسفة التي بُني عليها القانون تقوم على أن الدولة لا يمكن أن تُدار بعقلية الحزب الواحد أو شبكات المصالح التي احتكرت النفوذ والاقتصاد لعقود طويلة.
▪️ غير أن الجدل الحقيقي لم يكن دائمًا حول النصوص القانونية نفسها، بل حول طريقة التطبيق وتكوين اللجنة. فقد رأى كثيرون أن اللجنة تجاوزت في بعض مراحلها الإطار القانوني وتحولت إلى منصة سياسية أكثر من كونها جسمًا قانونيًا مهنيًا. كما أُثيرت تساؤلات واسعة حول عضويتها، بسبب غلبة الانتماءات السياسية لبعض الأعضاء وضعف التوازن المؤسسي والقانوني داخلها، الأمر الذي جعل بعض القرارات تبدو أقرب إلى الخصومة السياسية منها إلى التحقيق المحايد. وفي عدة حالات، صدرت قرارات بالمصادرة أو الفصل أو استرداد الممتلكات قبل اكتمال المسارات القضائية الطبيعية، وهو ما فتح الباب للطعن القانوني والتشكيك في سلامة الإجراءات.
▪️ ورغم كل العواصف السياسية التي مرت بها البلاد، ظل القضاء السوداني واحدًا من أقدم وأعرق المؤسسات الوطنية في السودان. فمنذ عقود طويلة، ارتبط اسم القضاء السوداني بكفاءات قانونية محترمة صنعت سمعة قانونية امتدت خارج الحدود، وشارك عدد من القضاة السودانيين في مؤسسات وهيئات قضائية إقليمية ودولية. وقد مر القضاء بمراحل ضغط سياسي معقدة، لكنه احتفظ داخل ذاكرته المهنية بتقاليد راسخة تقوم على مبدأ البينات، وحق الدفاع، والتدرج القضائي، وعدم الإدانة خارج ساحات المحاكم. ولهذا فإن أي مشروع حقيقي لمكافحة الفساد لا يمكن أن ينجح عبر اللجان المؤقتة وحدها، بل عبر مؤسسات عدلية مستقرة ومحاكم مستقلة ونيابات محترفة تعمل وفق القانون لا وفق الهتافات السياسية.
▪️ واليوم، وفي ظل الحرب، وغياب المجلس التشريعي، وتعطل المحكمة الدستورية، وتراجع كثير من مؤسسات الرقابة والمحاسبة، تبدو البلاد في حاجة فعلية إلى مشروع وطني قانوني متكامل لمكافحة الفساد، لا يقوم على روح الانتقام السياسي ولا على عقلية التمكين المضاد، بل على بناء منظومة عدالة مؤسسية دائمة. السودان يحتاج إلى لجنة أو مفوضية قانونية مستقلة تُنشأ بقانون واضح ومحدد الصلاحيات، وتخضع لرقابة القضاء، وتضم قضاة وخبراء ماليين ومراجعين قانونيين وممثلين للنيابة العامة، لا ناشطين سياسيين يخوضون معارك إعلامية تحت لافتة مكافحة الفساد.
▪️ فالفساد في السودان لم يعد مجرد تجاوزات مالية معزولة، بل تحول إلى بنية معقدة ومتداخلة داخل الاقتصاد والخدمة المدنية والعقود الحكومية والأراضي والقطاع المصرفي والمنافذ والموارد العامة. ومواجهة هذا الواقع تحتاج إلى أدوات قانونية محترفة تبدأ من مراجعة العقود الحكومية، وتتبع الأموال، وتقوية أجهزة المراجعة، وإلزام المؤسسات بالشفافية، وإنشاء محاكم متخصصة في جرائم الفساد، وإعادة بناء الثقة بين المواطن والدولة. كما أن غياب البرلمان والمحكمة الدستورية يجعل أي سلطة استثنائية عرضة للانفلات إن لم تُضبط بالقانون والرقابة القضائية.
▪️ إن أخطر ما يمكن أن يحدث لأي دولة هو أن يتحول شعار مكافحة الفساد نفسه إلى وسيلة لتصفية الخصوم أو تفكيك مؤسسات الدولة دون بناء بديل مؤسسي حقيقي. فالعدالة لا تُدار بالغضب، والدولة لا تُبنى باللجان المؤقتة، بل بالقانون المستقر والمؤسسات الراسخة. وفي تقديرنا، فإن السودان اليوم لا يحتاج إلى نسخة جديدة من الصراع السياسي تحت لافتة التفكيك، بل يحتاج إلى تأسيس دولة قانون حقيقية، يكون فيها القضاء هو الحكم، والدستور هو المرجعية، والمال العام خطًا أحمر لا تحميه الشعارات بل تحميه المؤسسات.
عوض الله نواي – مدير وكالة One Press للتحقيقات الصحفية والإعلام




