بورتسودان _ One Press
▪️في هذا العالم توجد دول تبحث عن الماء… والسودان يغرق في الماء.
توجد شعوب تموت من أجل شجرة… والسودان يضيع الغابات بالحريق والإهمال.
توجد أمم تستورد الغذاء بميزانيات مرعبة… بينما تمتد في السودان أرض لو أُلقيت فيها حبة قمح لأنبتت سنابل تكفي قارة كاملة.
بلاد تسير فوقها الأنهار كالشرايين، وتمطرها السماء دون استئذان، وتنام تحتها المعادن من ذهب ونحاس وحديد ويورانيوم ورمال وثروات لا تزال في بطن الأرض كأنها لعنة مؤجلة.
ثروة حيوانية لا يُعرف أولها من آخرها، ومياه نقية في كثير من المناطق لا تحتاج إلى معامل تنقية ولا شبكات معالجة ولا كيمياء معقدة.
لكن هذه البلاد الواسعة تمددت بين أذرع عاجزة وعقول أكثر عجزًا.
فصار المشهد خليطًا من الحروب، والأمراض، والفقر، والنزوح، ورائحة البارود والدخان والدم التي تغطي على نعمة الأرض نفسها.
▪️هذه الأيام أزور Rwanda…
بلد خرج من المقابر الجماعية، ومن صرخات الهوتو والتوتسي، ومن الدم الذي سال حتى ظن العالم أن هذه البلاد لن تقوم بعدها أبدًا.
لكن الروانديين فهموا شيئًا عجزنا نحن عن فهمه حتى الآن:
أن الأرض لا تُعمر بالخطب… بل بالقانونين.
قانون يحكم الناس بعدالة، وقانون يحكم الدولة بمؤسسات.
في كيغالي ترى النظافة كأنها عقيدة، والانضباط كأنه جزء من الهوية الوطنية.
الشرطي لا يصرخ، والموظف لا يبتزك، والشارع لا يطاردك بالفوضى.
شعب كامل قرر أن يدفن الكراهية حتى لا يدفن أبناءه مرة أخرى.
هناك أدركوا أن القبيلة إذا دخلت الدولة أكلتها، وأن السلطة إذا تحولت إلى غنيمة تحولت البلاد إلى مقبرة مفتوحة.
فبنى الروانديون بلدهم بالحزم والعمل والانضباط واحترام المؤسسات، لا بالولاءات الرخيصة ولا بسماسرة السياسة ولا بخطباء الفتنة.
▪️أما السودان، فالحروب فيه لم تبدأ بالبندقية… بل بدأت من هشاشة الدولة نفسها.
من دستور مرتبك، ومؤسسات ضعيفة، وسلطة لا تفصل بين الدولة والحكومة، ولا بين القانون والمزاج، ولا بين الإدارة والولاء.
كل شيء عندنا قابل للتسييس، وقابل للقبيلة، وقابل للمساومة.
ولهذا يتحول أي خلاف صغير إلى حرب، وأي نزاع محلي إلى فتنة، وأي أزمة اقتصادية إلى دم.
الدولة التي لا تحكم بالقانون ينتهي أمرها إلى أن تُحكم بالسلاح.
والسلطة التي تعجز عن بناء مؤسسات محترمة تفتح الطريق أمام أمراء الحرب وتجار الدم وسماسرة الانقسام.
▪️ومن أسوأ الكوارث التي ضربت السودان تلك المؤسسات التي أُنشئت باسم الموارد بينما تحولت إلى أدوات جباية لا أدوات تنظيم.
الشركة السودانية للموارد المعدنية مثال فج على ذلك.
مؤسسة تمددت لتحصيل الأموال أكثر من تمددها لحماية البيئة أو الإنسان أو الأرض.
فتحت مناكب التعدين التقليدي بلا ضوابط حقيقية، وتركت الكربون والزئبق والسيانيد تعبث بالتربة والمياه والإنسان في شمال السودان وشرقه وغربه.
جبال كاملة تحولت إلى ثقوب سامة، وأودية صارت مقابر بطيئة للناس والحيوان.
لا معايير فنية محترمة، ولا رقابة بيئية حقيقية، ولا دولة تسأل ماذا سيحدث بعد عشر سنوات لهذه الأرض المنهكة.
▪️لعنة الله على من يزرع الفتنة بين مكونات هذا الشعب المسكين.
لكن الحقيقة أيضًا أن السلطات التي تمارس الجباية بلا عدالة، والحكومات التي تعجز عن فرض القانون، هي نفسها التي تساعد على تمزيق النسيج الاجتماعي.
في شرق السودان اليوم تتسع رقعة الاحتقان بسبب التعدين التقليدي، وبسبب الفوضى التي جلبها المال السريع والسلاح والغياب الكامل للدولة.
اعتداء بعض المعدنين على مواطن أعزل من أبناء الشرق ليس حادثة منفصلة، بل نتيجة طبيعية لدولة غائبة ومؤسسات مرتبكة وسلطات لا ترى في المواطن إلا دافع رسوم أو رقمًا في دفتر التحصيل.
حين تغيب العدالة يبدأ الناس في الاحتماء بالقبيلة، وحين تنهار هيبة القانون يتحول المجتمع إلى معسكرات غضب تنتظر الشرارة فقط.
▪️حكومة كامل ادريس تتراقص اليوم فوق نيران الفتنة التي تلتهم أطراف البلاد.
هندسة بائسة يديرها مستشار عريان سياسيًا وإداريًا، يصدر القرارات المتناقضة كما لو أنه يلعب الشطرنج فوق جثة دولة.
يدخل يده في كل مؤسسة، ويجمع المتناقضات، ويمارس هواية العبث بين السلطات، حتى لم يعد أحد يعرف أين تبدأ الدولة وأين تنتهي المزاجات الشخصية.
هذا النوع من الإدارة لا يبني وطنًا… بل يبني فوضى مؤجلة.
الدولة لا تُدار بالاستعراض ولا بالعلاقات العامة ولا بالخطب التي تُقال أمام الكاميرات، وإنما تُدار بعقول تعرف معنى الفصل بين السلطات، واحترام المؤسسات، وبناء قانون يحكم الجميع.
▪️قال ود كين يومًا:
“البلد البتوجع زولها… ما بتسأل عن وجعو.”
وقال شاعر آخر:
“مال الشجر وانكسرن فراعوا
يا ناس البوجعوا راسو بربطوا ليه كراعو.”
وهذا بالضبط ما نفعله منذ عقود.
نعالج الأعراض ونترك المرض، نطارد النتائج ونحمي الأسباب، نغير الوجوه ونُبقي الخراب نفسه.
▪️على هذه الدولة أن تبحث عن رجل يدير الدولة المدنية بالقانون، لا بالتهريج، وبالمؤسسات لا بالمزاج، وبالفصل بين السلطات لا بجمعها في يد واحدة.
أما كامل إدريس، فلا يعدو — في تقديرنا — كونه مهرجًا سياسيًا لا يصلح لإدارة هذا الخراب، فضلًا عن إصلاحه.
والبلاد التي يقاتل فيها الفقر نفسه… تحتاج إلى رجال دولة، لا إلى هواة يقفون فوق الرماد ويصفقون للنار.
عوض الله نواي – مدير وكالة One Press للتحقيقات الصحفية والإعلام



