#السودان #تقارير

7 ملايين نازح في دارفور… جوعٌ يقتل ببطء وماءٌ تحوّل إلى سلاح حرب

تقرير : One Press

 

تعيش مخيمات النزوح في إقليم دارفور غرب السودان واحدة من أخطر الأزمات الإنسانية في العالم اليوم، إذ يقبع أكثر من سبعة ملايين نازح على حافة انهيار إنساني شامل، وسط ارتفاع جنوني في أسعار السلع الأساسية وتفشٍ واسع للأوبئة في بيئة تفتقر إلى أبسط مقومات الصرف الصحي والمياه النظيفة.

هذه الأرقام والتفاصيل كشفت عنها المنسقية العامة للنازحين واللاجئين بالسودان، التي أكدت أن الوضع في المخيمات “تجاوز حدود الاحتمال البشري”، في ظل استمرار النزوح الجماعي وتفشي الأمراض التي باتت تهدد حياة الملايين ومستقبل الأجيال القادمة.

 

سبعة ملايين نازح.. وأسواق تنهار

 

تشير تقديرات ميدانية للمنسقية إلى أن إجمالي عدد النازحين في دارفور يتجاوز سبعة ملايين شخص، موزعين على عشرات المخيمات، مع استمرار تدفق أعداد جديدة بفعل القتال المستمر وانتشار الأوبئة. وتتصدر ولاية جنوب دارفور قائمة الولايات الأكثر استقبالاً للنازحين، تليها شمال دارفور، ثم وسط دارفور وغرب دارفور وشرق دارفور.

 

انفجار الأسعار: الدخن يقفز 300% في أشهر

 

كشفت المنسقية عن أرقام صادمة توضح حجم الانهيار المعيشي داخل المخيمات. فقد قفز سعر “مُد” الدخن والذرة من 4000 جنيه سوداني في يناير الماضي إلى ما بين 15 و18 ألف جنيه حالياً، بزيادة تقارب 300%. كما ارتفع سعر كيلوغرام اللحم من 7000 جنيه إلى ما يتراوح بين 2000 و12000 جنيه، فيما تضاعف سعر السكر والملح بنسبة 100%، وارتفع سعر زجاجة الزيت وقطعة الصابون بنسبة 250% لكل منهما.

وتعزو المنسقية هذا الانفجار السعري إلى تشابك عدة عوامل: حصار الطرق الرئيسية بين المدن والمخيمات، وانهيار الموسم الزراعي بسبب شح الأمطار ونقص البذور، إضافة إلى استغلال بعض التجار للأزمة في غياب أي رقابة حكومية. وتتهم المنسقية الأطراف المتحاربة باستخدام الغذاء “سلاحاً” لعرقلة وصول المساعدات إلى المدنيين، في وقت يواصل فيه الجنيه السوداني انهياره أمام العملات الأجنبية.

ويضاف إلى ذلك الضغط الهائل الذي يفرضه النزوح الجماعي على أسواق محلية محدودة الموارد أصلاً، وتدمير الطرق والجسور والمخازن جراء الحرب، وتقليص المنظمات الإنسانية لأنشطتها بسبب انعدام الأمن، فضلاً عن شبكات احتكار تتحكم في توزيع السلع، وموجات جفاف وفيضانات أضعفت الزراعة والرعي.

 

أطفال دارفور.. أجساد يفتك بها الهزال

 

تكشف بيانات المنسقية عن واقع مأساوي يطال الأطفال بشكل خاص، إذ يعاني نحو 4.2 مليون طفل في السودان من سوء التغذية الحاد خلال عام 2026، بينهم أكثر من 825 ألف طفل دون سن الخامسة مصابون بسوء التغذية الحاد الوخيم. وتمثل هذه الأرقام ارتفاعاً بنسبة 7% مقارنة بعام 2025، و25% مقارنة بمستويات ما قبل اندلاع النزاع. وفي الفترة بين يناير ومارس 2026 وحدها، أُدخل نحو 100 ألف طفل لتلقي العلاج من سوء التغذية الحاد.

 

المياه سلاح حرب.. والأوبئة تحصد الأرواح

 

تصف المنسقية العامة تدمير مصادر المياه بالطائرات المسيّرة بأنه تحويل متعمد للمياه إلى “سلاح حرب”، وهو ما ساهم مباشرة في تفشي الكوليرا والتيفوئيد داخل المخيمات. وتنتشر إلى جانب ذلك أمراض الحصبة والملاريا والإسهالات الحادة وأمراض الجهاز التنفسي، في ظل توقف معظم المرافق الصحية عن العمل، وسط بيئة تتفاقم فيها الأوبئة مع كل موسم أمطار بفعل تلوث مصادر المياه وتكدس مياه الأمطار الراكدة بين خيام ممزقة ومكتظة.

 

وتؤكد المنسقية أن المخيمات تعاني من حرمان بنيوي من شبكات الصرف الصحي والمياه النظيفة، محمّلة المسؤولية بشكل مشترك للدولة والمنظمات الدولية، في ظل غياب الإرادة السياسية والتمويل الكافي لمعالجة هذا الملف المزمن.

 

نداء عاجل.. والاستجابة الدولية “غير متناسبة”

 

تطالب المنسقية بتدخل إنساني عاجل ومتعدد الأبعاد، يشمل وقف القتال، وفتح ممرات إنسانية آمنة، وزيادة التمويل الدولي، محذرة من أن الحصار والهجمات المستمرة على القوافل الإنسانية، إلى جانب شح التمويل، يجعلان من وصول المساعدات تحدياً يومياً.

 

وبينما تشير المنسقية إلى تلقيها بعض الاستجابات والوعود من جهات دولية في الأسابيع الأخيرة، فإنها تصفها بأنها “أقل بكثير من حجم الكارثة”، داعية الأمم المتحدة والاتحاد الأفريقي والجهات المانحة إلى تحرك فوري، وتحميل الأطراف المسلحة التي تستخدم الحصار أداة حرب، إلى جانب العنف القبلي وضعف التمويل الدولي، المسؤولية المباشرة عن تدهور الأوضاع الإنسانية.

 

“الأرقام أقرب صورة للواقع”

 

في ردها على من يشكك في دقة الإحصاءات الصادرة عنها، توضح المنسقية أن اختلاف الأرقام بين الجهات المعنية أمر وارد بحكم تفاوت أدوات الرصد وتوقيت جمع البيانات، لكنها تشدد على أن ما تنشره “أقرب صورة للواقع”، وأن هدفها ليس المبالغة في تصوير المعاناة ولا التقليل منها، بل توثيق الحقيقة كما يعيشها النازحون أنفسهم، مؤكدة أن واقع الأطفال الذين يعانون الهزال، والنساء اللواتي يواجهن الموت أثناء الولادة، والأسر التي تفتقر للغذاء والدواء، لا يحتاج إلى جدل حول الأرقام بقدر ما يحتاج إلى تدخل عاجل لإنقاذ الأرواح.

وتختم المنسقية بيانها بدعوة المجتمع الدولي إلى ترجمة القلق إلى خطوات عملية عاجلة لحماية المدنيين وضمان وصول الغذاء والدواء دون عوائق، محذرة من أن استمرار الصمت الدولي لن يكون حياداً، بل مشاركة غير مباشرة في إطالة أمد المأساة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: Content is protected !!