#السودان #الشرق الأوسط #تحقيقات

الحوار مع الإمارات… بين الذاكرة السياسية وخرائط المصالح المشتركة (2)

بورتسودان _ One Press

▪️ يقول الفيلسوف الصيني كونفوشيوس:

“الحكمة لا تعني غياب الخلاف، بل القدرة على إدارة الخلاف دون خراب.”

▪️ ويقول الحكيم الصيني سون تزو في فلسفة إدارة الصراع:

“أعظم الانتصارات تلك التي تُحقق دون أن تُحرق الأرض.”

▪️ أما الفيلسوف الإغريقي أرسطو فقد رأى أن: “السياسة ليست صناعة العداوات، بل فن حماية المصالح.”

▪️ وفي الحكمة السودانية القديمة كان الشيخ فرح ود تكتوك يقول: “الزول البقطع الحبال كلها… يوم يقع ما بلقى من يرفعو.”

▪️ وكان يقول أيضًا: “النار البتعرفها… خير من نار الجهالة.”

▪️ هذه الحكم القديمة، رغم اختلاف الأزمنة واللغات والبيئات، تكاد تلتقي عند معنى واحد: أن العلاقات بين الناس والدول لا تُدار بالغضب وحده، ولا تُبنى على القطيعة الدائمة، بل على فهم المصالح، ومعرفة حدود القوة، والقدرة على حماية الأوطان دون إغلاق أبواب الحكمة.

▪️ ولهذا فإن أي حديث عن الحوار بين السودان والإمارات ينبغي أن يُقرأ من زاوية أوسع من الجدل السياسي اليومي، لأن العلاقات بين الدول لا تُقاس بلحظة توتر عابرة، بل تُقاس بقدرتها على الاستمرار، وإدارة الخلافات، وحماية المصالح المشتركة.

▪️ فالسودان والإمارات بينهما تاريخ طويل من التداخل الإنساني والاجتماعي والاقتصادي؛ آلاف السودانيين عملوا وأسهموا في مؤسسات التعليم والإدارة والهندسة والقضاء والصحة داخل الإمارات منذ سنواتها الأولى، كما ظلت الإمارات محطة مهمة للسودانيين في التجارة والعمل والاستثمار والحياة.

▪️ ولذلك فإن السؤال الحقيقي اليوم ليس: هل يكون هناك حوار؟

▪️ بل: كيف يُبنى هذا الحوار؟ وعلى أي أسس تتحول العلاقات إلى شراكة متوازنة تحفظ مصالح الجميع وتحترم سيادة الدول وخصوصية الشعوب؟

▪️ المشهد الأول: السياسة ليست إدارة للعواطف

▪️ العلاقات الدولية لا تُدار بمنطق الحب والكراهية، بل بمنطق المصالح والتوازنات والاستقرار.

▪️ الدول تتحاور لأنها تبحث عن الأمن، والاقتصاد، وفرص الاستثمار، والاستقرار الإقليمي، وتحاول دائمًا تجنب الوصول إلى مراحل الصدام التي تستنزف الجميع.

▪️ ولهذا فإن الحوار بين السودان والإمارات – أو بين أي دولتين عربيتين – لا ينبغي النظر إليه باعتباره تنازلًا أو انتصارًا لطرف على آخر، بل باعتباره محاولة لإدارة المصالح المشتركة بصورة عقلانية ومتوازنة.

▪️ فالمنطقة كلها تمر بتحولات كبيرة سياسيًا واقتصاديًا وأمنيًا، وأصبحت الحاجة إلى بناء التفاهمات أكثر أهمية من أي وقت مضى.

▪️ المشهد الثاني: لماذا تتحرك العواصم بهدوء؟

▪️ كثير من الملفات الكبرى تبدأ عبر قنوات هادئة ولقاءات غير معلنة قبل أن تتحول لاحقًا إلى تفاهمات واضحة أو مسارات تعاون معلنة.

▪️ ولهذا فإن أي تحركات أو لقاءات دبلوماسية بين الخرطوم وأبوظبي – سواء بصورة مباشرة أو عبر وسطاء أو عواصم أخرى – ينبغي النظر إليها باعتبارها جزءًا طبيعيًا من محاولات إعادة ترتيب العلاقات وبحث المصالح المشتركة.

▪️ فالسياسة ليست خطابات فقط، بل هي أيضًا إدارة دقيقة للمسافات بين الدول، ومحاولة دائمة لبناء نقاط التقاء حتى في ظل التباينات.

▪️ كما أن السودان بحكم موقعه الجغرافي وثقله التاريخي يظل دولة محورية في البحر الأحمر والقرن الأفريقي، بينما أصبحت الإمارات لاعبًا اقتصاديًا واستثماريًا مؤثرًا في المنطقة، وهو ما يجعل الحوار والتفاهم بين الطرفين أمرًا طبيعيًا ضمن حسابات المصالح الإقليمية.

▪️ المشهد الثالث: المصالح المشتركة هي الأساس

▪️ الدول لا تبني علاقاتها على الشعارات وحدها، بل على المصالح المتبادلة.

▪️ السودان يمتلك إمكانيات ضخمة في الزراعة والموانئ والثروات الطبيعية والموقع الجغرافي، والإمارات تمتلك خبرات اقتصادية واستثمارية ولوجستية واسعة، ما يفتح الباب أمام فرص تعاون كبيرة إذا أُديرت العلاقات بصورة متوازنة تحترم سيادة الدول ومصالح الشعوب.

▪️ وفي تقديرنا، فإن أي علاقة صحية بين البلدين يجب أن تقوم على عدة مبادئ واضحة: احترام السيادة الوطنية، وعدم التدخل في الشؤون الداخلية، وتعزيز المصالح الاقتصادية المشتركة، وبناء شراكات تحقق الاستقرار والتنمية.

▪️ كما أن الشعوب لا تُدار بمنطق الاستقطاب الدائم، لأن الاستقرار الإقليمي يحتاج إلى جسور تواصل لا إلى تراكم القطيعة.

▪️ الخاتمة

▪️ العلاقات بين السودان والإمارات أكبر من لحظة سياسية عابرة، وأعمق من أن تُختزل في حالة شد وجذب مؤقتة.

▪️ هناك إرث طويل من الاحترام والتداخل الإنساني والتعاون الاقتصادي بين الشعبين، وهذا الإرث يمكن البناء عليه بصورة إيجابية إذا توفرت الإرادة السياسية والرؤية المتوازنة.

▪️ وفي تقديرنا، فإن المرحلة المقبلة تحتاج إلى خطاب عقلاني يركز على المصالح المشتركة، والتنمية، والاستقرار، وبناء علاقات متوازنة تحفظ للسودان سيادته، وتفتح في الوقت نفسه أبواب التعاون والشراكات الإقليمية المفيدة.

▪️ فالدول القوية ليست تلك التي تكثر خصوماتها، بل تلك التي تعرف كيف تدير مصالحها وتحافظ على توازن علاقاتها دون أن تفقد قرارها الوطني أو مكانتها بين الأمم.

عوض الله نواي – مدير وكالة One Press للتحقيقات الصحفية والإعلام

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: Content is protected !!