معركة البقاء (2)..كيف تحولت التمويلات إلى دوامة تعثر

بورتسودان –One Press
▫️*قراءة تفصيلية في شركات عمر عثمان النمير وأسئلة المال العام:-*
– في عالم البنوك لا تبدأ الكارثة عادة بصوت مرتفع، بل تبدأ بتوقيع صغير أسفل طلب تمويل، أو توصية داخل لجنة ائتمان، أو استثناء يمرّ بهدوء تحت عنوان “عميل استراتيجي”. ثم بعد سنوات، تتحول تلك التوقيعات إلى أرقام ضخمة، وديون متعثرة، ومخصصات تلتهم أموال المودعين والدولة معًا.
الوثائق الداخلية التي حصلت عليها وكالة One Press تكشف أن إجمالي الالتزامات القائمة على مجموعة شركات رجل الأعمال عمر عثمان النمير داخل بنك النيلين حتى 30 مارس 2026 بلغ أكثر من 216.7 مليون درهم إماراتي، بينما تجاوزت الالتزامات المتعثرة وحدها 212.4 مليون درهم، أي أن معظم المحفظة أصبحت فعليًا داخل دائرة التعثر الكامل تقريبًا.
▫️*لكن السؤال الأخطر لا يتعلق بحجم التعثر فقط، بل بكيفية الوصول إليه*.
▫️*كيف استمرت التسهيلات في التوسع رغم ظهور مؤشرات التعثر منذ 2020؟*
▫️*ومن الذي أجاز التمويلات الجديدة رغم تراجع السداد؟*
▫️*وهل كانت إدارات المخاطر والمتابعة ترفع تقاريرها الحقيقية أم أن هناك من كان يؤجل الانفجار؟*
التقرير الداخلي يكشف أن شركة “أي أي أي للمقاولات” وحدها استحوذت على أكثر من 113.9 مليون درهم من الالتزامات، منها أكثر من 111.9 مليون درهم متعثرة.
اللافت أن البنك يقر داخل التقرير بأن العميل كان منتظمًا حتى 2020، ثم بدأت السداديات تتراجع تدريجيًا، ومع ذلك استمرت التسهيلات والتمويلات الجديدة.
هنا تظهر أولى علامات الاستفهام الثقيلة.
إذا كانت مؤشرات التعثر قد بدأت منذ 2020، فلماذا مُنح العميل في فبراير 2023 تمويل إسمنت بقيمة 20 مليون درهم عبر دورة مستندية؟
▫️*ولماذا تمت إضافة تمويل جديد بقيمة 22 مليون درهم بغرض الوفاء بالتزامات مع مصرف أبوظبي الإسلامي؟*
▫️*هل كان البنك يعالج التعثر بضخ تمويلات إضافية؟*
*أم أن الأمر كان محاولة لتدوير الأزمة وتأجيل الاعتراف بالخسارة؟*
الأخطر من ذلك أن التقرير يشير إلى وجود التزامات قائمة مرتبطة بما سُمّي “مشروع بانك أثيوبي” بقيمة تقارب 90 مليون درهم.
▫️*ما طبيعة هذا المشروع؟*
▫️*وأين مستندات التدفقات النقدية الخاصة به؟*
*▫️وهل خضعت جدواه الاقتصادية لمراجعة حقيقية أم تم التعامل معه باعتباره مشروعًا مضمون العائد دون تحقق فعلي؟*
التقرير ذاته يؤكد أن نسبة التعثر داخل شركة “أي أي أي للمقاولات” بلغت 98.30% من إجمالي التمويل القائم.
هذه ليست نسبة تعثر عادية داخل أي مؤسسة مصرفية، بل مؤشر انهيار شبه كامل للمحفظة المرتبطة بالشركة.
ورغم ذلك فإن نسبة تغطية المخصصات لم تتجاوز 46.41%، ما يفتح سؤالًا مصرفيًا حساسًا:
▫️*هل كانت المخصصات أقل من المستوى المطلوب مقارنة بحجم المخاطر الحقيقية؟*
▫️*وهل كانت هناك محاولة لتحسين الصورة الدفترية للبنك عبر تقليل المخصصات؟*
– ثم تأتي شركة “فيض النعم للتجارة البترولية”، التي حصلت على تمويلات تجاوزت 60.7 مليون درهم إماراتي، بينما بلغت الالتزامات المتعثرة أكثر من 59.6 مليون درهم.
ووفق التقرير، فإن التمويل مُنح في ديسمبر 2024 بغرض شراء مواد بترولية عبر الباخرة، لكن العميل استغل كامل السقف التمويلي دون السداد أو إعادة الجدولة.
وهنا يبرز سؤال أكثر تعقيدًا:
▫️*كيف تم السماح باستخدام سقف تمويلي ضخم بهذا الحجم دون وجود دورة رقابة محكمة على حركة الأموال والعائدات؟*
▫️*وهل كانت هناك متابعة حقيقية لمسار البضائع والتحصيلات؟*
*أم أن البنك كان يعتمد فقط على الوعود والرهونات؟*
التقرير يشير إلى وجود تحصيلات مستقبلية للعميل عبر نافذة النفط ببنك السودان المركزي بقيمة تقارب 31.2 مليون درهم.
لكن السؤال المهني هنا:
▫️*إذا كانت هناك تحصيلات مؤكدة بهذا الحجم، فلماذا لم يتم حجزها مبكرًا لصالح البنك قبل الوصول إلى مرحلة التعثر الكامل؟*
▫️*ومن الذي تأخر في اتخاذ قرار التحصيل التنفيذي؟*
كما يكشف التقرير عن رهونات عقارية داخل الإمارات تُقدّر بنحو 23.95 مليون درهم، إضافة إلى مزرعة ومحاور وعقار بحي الراقي بالسودان.
لكن القيمة الحقيقية للرهونات تظل دائمًا السؤال الأخطر في ملفات التعثر المصرفي.
*هل تم تقييم هذه الضمانات بواسطة جهات مستقلة ومعتمدة؟*
*وهل ما تزال قائمة فعليًا بالقيم المذكورة؟*
▫️*وهل تكفي أصلًا لتغطية الالتزامات القائمة بعد تراجع الأسواق وتقلبات الأسعار؟*
التقرير أوصى بإمكانية التسوية بشرط دفع مقدم لا يقل عن 50%.

لكن السؤال الذي يفرض نفسه بقوة:
▫️*إذا كان العميل عاجزًا عن السداد منذ البداية، فمن أين سيأتي بمقدم تسوية بهذا الحجم؟*
▫️*وهل كانت التوصية واقعية أم مجرد محاولة لإبقاء الملف مفتوحًا دون حسم نهائي؟*
أما شركة “الشفافة م م ح” فتبدو مثالًا آخر على تشابك الضمانات والالتزامات داخل المجموعة نفسها.
الشركة حصلت على تمويلات لاستيراد مواد بترولية بضمان رهونات شركة “أي أي أي للمقاولات”، أي أن الضمانات أصبحت متقاطعة بين الشركات المرتبطة بالمجموعة ذاتها.
وهنا يبرز سؤال بالغ الحساسية:
▫️*هل كان البنك يتعامل مع الشركات باعتبارها كيانات مستقلة فعلًا؟*
▫️*أم أن المجموعة بأكملها كانت تُدار مصرفيًا كملف واحد تحت مظلة اسم واحد ونفوذ واحد؟*
التقرير يشير أيضًا إلى أن تسوية أُبرمت تحت الكفالة الشخصية للسيد عمر عثمان النمير، ثم تمت إعادة الجدولة بموافقة مجلس الإدارة، لكن العميل فشل لاحقًا في السداد.
وهنا يصبح السؤال أكثر مباشرة:
▫️*كم مرة أُعيدت الجدولة؟*
▫️*ومن الذي كان يوصي بالموافقة في كل مرة؟*
▫️*وهل كانت إعادة الجدولة تستند إلى قدرة سداد حقيقية أم إلى الرغبة في تجنب تصنيف الخسارة؟*
اللافت أن بعض هذه الملفات ظل يتحرك بين الإدارات القانونية والمستشارين والمحاكم لسنوات، بينما استمرت قيمة التعثر في التصاعد، وهو ما يطرح سؤالًا جوهريًا حول فعالية أنظمة الإنذار المبكر داخل البنك.
▫️*هل كان الخلل في إدارة الائتمان؟*
*أم في الرقابة؟*
*أم في النفوذ؟*
▫️*أم في غياب القرار الحاسم منذ اللحظة الأولى؟*
في تقديرنا المهني، فإن القضية لم تعد مجرد ملف تعثر مصرفي عادي، بل تحولت إلى اختبار حقيقي لشفافية القطاع المصرفي السوداني كله، خصوصًا حين يتعلق الأمر ببنك مملوك للدولة بنسبة 100%، أي أن الخسائر النهائية لا تتحملها مؤسسة خاصة، بل يتحملها المال العام بصورة مباشرة أو غير مباشرة.
ويبقى السؤال الأكبر معلقًا فوق كل هذه الأرقام:
▫️*كيف خرجت أكثر من 216 مليون درهم من خزائن بنك مملوك للدولة، ثم عادت معظمها كديون متعثرة، دون أن تتوقف ماكينة التمويل مبكرًا؟*
*One Press – International Consortium for Investigative Journalism*
عوض الله نواي – مدير وكالة One Press للتحقيقات الصحفية والإعلام








































































































